رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٠ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

المندمجة، بل لو فرضنا أنّه لم يوضع لفظ العلّة والمعلول والإرادة والوجوب في لغة العرب أصلاً كان لنا أن نبحث عن حقيقة هذه المسألة الواقعية.
وإذا تمهّدت هاتان المقدّمتان‌ فاعلم أنّ ما نجد من المبادي للفعل إلى حين تحقّقه وصدوره في الخارج فهي أربع مراحل، وبسيرها يكمل وجود الفعل ويتحقّق في الخارج:
الاُولى: تصوّر الفعل وإدراكه إدراكاً مطلقاً، بمعنى ارتسامه في الذهن، أو التفات النفس إليه.
الثانية: إدراك ملائمته للفاعل ملائمة روحية أو جسمية.
الثالثة: عدم وجود مزاحم مكافئ لتلك الملائمة من المفسدة.
الرابعة: الاشتياق والميل إليه، وحينئذ يعقد الفاعل قلبه على الفعل، فيعمل قدرته فيفعل.
ولا يخفى أنّ عقد القلب الذي ذكرناه في آخر المراحل هو المراد من الإرادة وهو فعل من أفعال النفس، لا من صفاتها كما تقدّم في المقدّمات‌[١]، وليس وجوده مسبوقاً بالوجوب المصطلح عليه كما سمعته من مراتبه السابقة، هذا.
وأمّا سؤال السائل عن المرجّح لإعمال القدرة الذي هو نفس الاختيار المأخوذ عن طلب الخير في شي‌ء، فيندفع بأنّ إعمال القدرة وإن كان في نفسه فعلاً من أفعال النفس إلّاأنّه ليس ممّا يقصد بنفسه كي يسأل عن مرجّحه، بل تعلّق القصد به تعلّق تبعي آلي حيث إنّه مقصود لغيره، وسيجي في البحث عن قول الفلاسفة[٢] أنّ السؤال عن مرجّح الإرادة بالمعنى الذي ذكرناه عين السؤال عن‌

[١] في ص‌١٦.
[٢]في ص‌٥٠- ٥١.