رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٩ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

تكون نسبة الفعل والترك إلى الفاعل على السواء، فيختار أحد الطرفين، وعليه فإمّا أن يكون هذا الاختيار بلا مرجّح فهو ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجّح وهو محال، أو يكون الصدور بمرجّح فننقل الكلام إليه فنقول: هل كان صدور هذا المرجّح الذي هو من الممكنات بلا مرجّح فعاد المحذور، وإن كان بمرجّح آخر فننقل الكلام إليه، وكذلك يتكرّر السؤال، فإمّا أن يتسلسل فيلزم اجتماع العلل غير المتناهية الطولية على معلول واحد، وإمّا أن ينتهي إلى الضرورة والوجوب، وهو المطلوب.
وبالجملة: الفعل الخارجي بما أنّه من الممكنات لابدّ في وجوده من علّة موجبة سابقة عليه، وإلّا فهو على إمكانه، ومعه يستحيل وجوده، لأنّه يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجّح، وهو ممتنع.
والتحقيق في جواب ذلك‌ يظهر بعد الالتفات إلى مقدّمتين:
إحداهما: هي التي أسلفناها[١] في شرح القاعدة (الشي‌ء ما لم يجب لم يوجد) حيث قد بيّنا فيها أنّ سبق الوجوب على الوجود إنّما هو في العلل والمعاليل التكوينية، وأمّا الأفعال الصادرة عن العباد المسبوقة بالإرادة والاختيار فلا تحتاج إلى سبق الوجوب عليه، وإنّما تفتقر فيه إلى مرجّح، وهذا الاحتياج ليس من باب استحالة صدور الفعل بدونه، بل لإخراج الفعل عن السفهية والعبثية إلى العقلائية كما سيأتي‌[٢].
ثانيهما: أنّ البحث في مسألتنا هذه - وهي تحليل كيفية صدور الأفعال من العباد - بحث معنوي، لا يتغيّر بتغيّر الألفاظ وإلقائه في الاصطلاحات الفنّية

[١] راجع ص‌١١ وما بعدها.
[٢]لعلّه أراد ما سيذكره في ص‌٥١، وإلّا فلا يأتي غيره.