رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

جميع ذلك منتهياً إلى إرادة اللََّه الأزلية، ونتيجة ذلك أنّ العبد مختار في فعله ومضطرّ في اختياره وإرادته، كما يشير إليه بقوله في البيت: وباختياره اختيار ما بدا.
وهذا القول وإن كان دون القول الأوّل في وضوح فساده، إلّاأنّه يشترك معه في أصل الفساد، وفي ترتّب التوالي الفاسدة عليه.
وهناك عقائد مختلفة ببيانات متشتّتة للفلاسفة المتأخّرين، فمنهم من يريد إثبات الاختيار بمقدّمات تنتهي إلى الجبر، ومنهم بالعكس، وبعضهم يرى منشأ صدور الأفعال هو الأوصاف النفسية التي ليست تحت اختيار الإنسان بوجه من الوجوه، إمّا من جهة كونها مخلوقة للََّه‌ تعالى بجميع شؤونها، أو من جهة انتقالها عن الآباء والاُمّهات بقاعدة الوراثة.
ومن المباني المهمّة عندهم المذهبان المعروفان: قانون العلّة العامّة وقانون الغاية، فالجبر مقتضى المذهب الأوّل والاختيار مقتضى المذهب الثاني، ونحن نتكلّم فيهما أيضاً بقدر الحاجة والكفاية إن شاء اللََّه تعالى.
الرابع: مذهب الإمامية العادلة، وهو المذهب الحقّ الصحيح، وذهابهم إليهم إنّما هو من نتائج تمسّكهم بأهل بيت العصمة، الراسخين في العلم، المطّلعين على الحقائق برمّتها.
وخلاصة مذهبهم في الأفعال: أنّ القدرة على الفعل والسبيل إليه إنّما هو من اللََّه عزّوجلّ، وأمّا إعمال القدرة والسلطنة فمن العبد، فالعبد هو فاعل الفعل وموجده حقيقة، فعليه تكون لكلّ ما يصدر من العبد جهتان وإضافتان: إضافة إلى اللََّه تعالى لأنّه معطي القدرة، وإضافة إلى العبد لأنّه أعملها وأخرجها إلى الفعل.
وهذا هو معنى ما تواتر عنهم (سلام اللََّه عليهم) في باب الأفعال، المعبّر عنه في ألسنتهم (سلام اللََّه عليهم)[١] بالأمر بين الأمرين، والمنزلة بين المنزلتين، ولطف من ربّك‌

[١] راجع الكافي ١: ١٦٠ / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح‌١٣، البحار ٥: ٢٢ / ٣٠، ٩١، المصدر المتقدّم من الكافي ح‌٨.