رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

اتّصافاً بالحقيقة بلا عناية، إلّاأنّ كونه قادراً على الفاعلية تابع لإرادة الغير وإفاضته، وهذا كالإنسان المختار، فإنّ القدرة على اختياره - كجميع أطوار وجوده - وإن كان منه تعالى مع دوام الإفاضة وتجدّدها في جميع الآنات الممتدّة، إلّا أنّ اتّصافه بالفاعلية بإعمال قدرته مستند إلى نفسه.
إذا تحقّقت ذلك ظهر لك أنّه لا ملازمة بين الالتزام بصدور الأفعال من العباد على النحو الثالث وبين القول بالشرك وتعدّد الخالق، نعم القول باستقلال العبد في فعله كما عليه المفوّضة مرتبة من القول بالشرك، كما اُشير إليه في روايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيأتي التعرّض لذلك فيما بعد إن شاء اللََّه‌[١].
الثاني: هو أنّه تعالى عالم بجميع الموجودات ومنها أفعال العباد، وذلك يوجب وقوعها منهم في الخارج، وإلّا انقلب علمه جهلاً، تعالى اللََّه عن ذلك.
وتوضيحه: أنّ العلم لمّا كان متعلّقاً بالفعل الذي يوجده زيد - مثلاً - لزم وجوده في الخارج ليطابق علمه معلومه، فلو فرضنا قدرة زيد على الفعل والترك وأنّه لم يفعل باختياره كان العلم المزبور جهلاً، والتالي باطل بالضرورة، فالمقدّم مثله.
ثمّ إنّ بناء هذه الشبهة يمكن أن يكون على أحد أمرين:
الأوّل: ما فهمه خاتم المحقّقين نصير الدين الطوسي وغيره من المحقّقين‌[٢] (قدّس اللََّه أسرارهم) من أنّ أساس الشبهة على دعوى أنّ العلم الأزلي علّة لصدور الفعل من العبد.
والجواب عنه حينئذ ظاهر، فإنّ العلم بالأمر المتأخّر وانكشافه لدى العالم به‌

[١] في ص‌١٠١ و٩٦.
[٢]راجع نقد المحصل: ٣٢٨، الأسفار ٦: ٣٨٤، كشف المراد: ٣٣٢، ٢٤٦- ٢٤٧.