رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

وأحواله هو اللََّه الواحد، إذ هو مقتضى سلطنته المطلقة وفاعليته التامّة، وعبّروا عن هذا المعنى بعبارة معروفة في الكتب الكلامية والفلسفية: «لا مؤثّر في الوجود إلّا اللََّه» فليس غيره مؤثّراً ومتصرّفاً في الكون والفساد، وكيف يكون العبد مؤثّراً مع أنّه محتاج في جميع شؤونه وأطواره إلى اللََّه تعالى، بل قد تحقّق في محلّه‌[١] أنّ الممكن في ذاته نفس الافتقار، لا أنّه ذات ثبت لها الافتقار، هذا.
مع أنّه لو كان غيره تعالى مؤثّراً في الوجود وخالقاً لشي‌ء لزم الشرك وتعدّد الخالق. هذا ملخّص ما بيّنوه من الأمر الأوّل.
ونقول في الجواب: إنّ إطلاق المؤثّر والخالق على من يكون الفعل ناشئاً عنه ليس على معنى واحد، وقد بيّن في محلّه‌[٢] أنّ هذا الإطلاق يقع على أنحاء كثيرة ولابدّ لنا من بيان أقسام ثلاثة منها توطئة للجواب:
الأوّل: المؤثّر الحقيقي القائم بنفسه، المستغني في فعله عمّا سواه، وهو منحصر في اللََّه الواحد إذ هو القائم بنفسه، المستغني في فعله حتّى عن الرويّة والآلة.
الثاني: ما يصدر منه الفعل ويتّصف بالمؤثّرية، ولكن ليس له أيّ قدرة واختيار في فعله وتركه، وشأنه شأن الآلة التابعة للإرادة الفاعلة، كالأدوات الصناعية.
وهذا القسم وإن كان اتّصافه بالفعل صحيحاً كاتّصاف السيف بالقاطعية، إلّا أنّ استناد التأثير إليه تابع لصدور الفعل عن الفاعل، ولضعف الاستناد إليه يوشك أن يصحّ سلبه عنه.
الثالث: ما يكون وسطاً بين القسمين، وذلك بأن كان اتّصافه بالفاعلية

[١] راجع الأسفار ٣: ٢٥٣، نهاية الحكمة: ٣٠١.
[٢]راجع نهاية الحكمة ١٧٢- ١٧٧.