رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٧ - تتميم يذكر فيه أمران

أفيشكّ عاقل في أنّه لو كان لأحدٍ عبدان وقد أطاعه أحدهما غاية الطاعة وتمرّد الثاني عليه غاية التمرّد، فضرب المالك المطيع المنقاد وأهانه وأكرم المتمرّد غاية الإكرام، في أنّ العقل يحكم بقبح فعله، مع أنّه مالك لكلا العبدين وله التصرّف فيهما كيف ما شاء.
والسرّ في ذلك ليس إلّاما عرفت من عدم اختصاص الظلم بالتصرّف في ملك الغير بل أعمّ من ذلك، ومعناه الجامع هو الخروج عن الجادّة الوسطى، ووضع الشي‌ء في غير محلّه، والحاكم بقبحه على الإطلاق هو العقل.
تتميم يذكر فيه أمران:الأوّل: أنّه ذكر بعضهم أنّ العقل وإن كان له أن يحكم بحسن شي‌ء أو قبحه إلّا أنّ ذلك لا يعمّ أفعال اللََّه سبحانه، إذ لا يحكم عليه أحد بشي‌ء، فإنّه الحاكم على الإطلاق، وكلّ من سواه مخلوق له ومحكوم بحكمه، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.
والجواب عن ذلك: ما عرفت في الأمر الرابع‌[١] من الاُمور التي قدّمناها من أنّ حكم العقل على اللََّه تعالى ليس معناه هو مسؤوليته للعقل، أو إلزام العقل له بفعل أو بترك، بل معناه إدراك العقل استلزام الكمال المطلق لأمرٍ ما.
فإذا قلنا: العقل يدرك قبح الظلم على اللََّه تعالى، معناه أنّ العقل يدرك أنّ الخروج عن الجادّة الوسطى ووضع الشي‌ء في غير محلّه - المعبّر عنه بالتعدّي أحياناً - ينشأ من أحد أمرين: إمّا جهل الفاعل بقبح ما يفعله ولو كان من جهة التقصير في التعلّم، وإمّا حاجته مع العلم بقبحه، وبما أنّ اللََّه سبحانه يستحيل فيه الجهل والاحتياج يستحيل فيه الظلم، لا من جهة عدم قدرته عليه، بل من جهة استلزامه المحال.

[١] في ص‌٩- ١٠.