رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٢ - في قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد

ثَمّ يقال: وجدت العلّة فوجد معلولها، فهو معنى معقول مطابق للبرهان في المعاليل والمسبّبات الصادرة عن عللها وأسبابها من غير إرادة واختيار، وذلك فإنّ الشي‌ء بعد ما فرض ممكناً احتاج في وجوده إمّا إلى إرادة فاعل مختار أو إلى بلوغه مرتبة الوجوب بالغير من جهة علّته، وإلّا كان وجوده مع إمكانه ترجّحاً بلا مرجّح، وهو محال.
وإن اُريد به لزوم وجوب الشي‌ء قبل وجوده ولو فيما كان الوجود مستنداً إلى إرادة الفاعل المختار، ليرجع محصّل القاعدة إلى استحالة وجود كلّ ممكن اختيارياً كان أو غير اختياري ما لم يصل إلى حدّ الوجوب وضرورة الوجود، فهو معنى يخالفه الوجدان، ولم يقم على طبقه برهان.
وإيفاء البحث في هذا المقام بأن يقال: إنّ الممكن بما أنّه ممكن لا يقتضي في نفسه الوجود والعدم، فهما بالإضافة إليه ككفّتي الميزان، فلا يعقل أن يوجد في الخارج إلّاوله موجد، وإلّا لزم الترجّح بلا مرجّح، وهو باطل بضرورة العقل وقد اُشير إليه في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)[١] فالممكن يستحيل أن يوجد من غير موجد، كما يستحيل أن يكون هو الموجد لنفسه.
ثمّ إن كان الموجد فاعلاً بالاضطرار فلابدّ في صدور الممكن منه من وصوله إلى حدّ العلّية التامّة، الذي يستحيل معه تخلّف المعلول عنه، إذ قبل ذلك كان الممكن باقياً على إمكانه فيستحيل وجوده، لأنّه ترجح بلا مرجّح.
وهذا معنى أنّ الشي‌ء ما لم يجب لم يوجد، بمعنى أنّ الممكن الصادر من الفاعل بغير الاختيار إن لم يصل إلى حدّ الإلجاء والوجوب يستحيل وجوده، فوجود الممكن مساوق لوجوبه، كما أنّ عدمه مساوق لامتناعه، فإنّه لا يكون معدوماً

[١] الطور٥٢.٣٥.