رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٣ - البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه

يكن‌[١].
وقريب منه ما قاله الشيخ رئيس مشّائي الإسلام في الشفاء في المقالة العاشرة: والإرادات التي لنا كائنة بعد ما لم تكن، وكل كائن بعد ما لم يكن فله علّة وكلّ إرادة لنا فلها علّة، وعلّة تلك الإرادة ليست إرادة متسلسلة في ذلك إلى غير النهاية، بل اُمور تعرض من خارج، أرضية وسماوية، والأرضية تنتهي إلى السماوية، واجتماع ذلك كلّه يوجب وجود الإرادة.
وأمّا الاتّفاق فهو حادث عن مصادمات هذه، فإذا حللت الاُمور كلّها استندت إلى مبادئ إيجابها منزل من عند اللََّه تعالى‌[٢].
ولا يبعد أن يكون جعل جميع الكائنات - من المواد والصور، والعلل والمعاليل، والأفاعيل والانفعالات - جملة واحدة منظّمة في سلسلة مترتّبة وإنهائها إلى المبدأ الأوّل ممّا اتّفقت عليه كلمة الفلاسفة المتقدّمين والمتأخّرين عن الإسلام كما يظهر ذلك بأدنى تفحّص في آثارهم، ولا يخفى اندماج الأفعال الصادرة عن العباد أيضاً في تلك السلسلة المنظّمة، وعليه يستحيل أن يصدر فعل عن فاعل باختياره، إذ صدوره كذلك يوجب عدم الانتظام في الجملة.
وتوضيحه: أنّه إذا فرضنا أنّ فعل زيد في زمان خاص ومكان خاصّ مثلاً مرتبط بالسلسلة الجملية المنتهية إلى المبدأ الأوّل، فلو كان بعد ذلك زيد مختاراً في الفعل والترك لزم الفوضى، فلم يكن النظام نظاماً، هذا خلف.
إذا عرفت ذلك فنقول: أمّا وجوب انتهاء الموجودات إلى المبدأ الأوّل فهو من الضروريات التي لا تقبل التشكيك، لأنّه مقتضى الإمكان، إذ قد ثبت أنّ‌

[١] راجع القبسات: ١٣٧ الهامش الأيسر (الطبعة القديمة).
[٢]الشفاء (الإلهيات ٢): ٤٣٩ ضمن الفصل الأوّل من المقالة العاشرة.