رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٤ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

كانت بظاهرها في غاية السخافة أعرضنا عن جوابها، ولو اُريد بها ما ذكره بعض متأخّري الفلاسفة ببيان أتمّ معروف عندهم بقانون العلّة فالجواب عنها يظهر عند التعرّض له ولجوابها عندما نتكلّم عن أقوال الفلاسفة وردودها[١].
السادس: أنّ القدرة على الإيجاد صفة كمال، لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان.
وجوابه أوضح من أن يخفى على العاقل، إذ نقصان العبد ليس إلّامن جهة ذاته الإمكانية التي لا تقتضي الوجود ولا العدم، وأمّا بعد كونه محلّاً لإفاضة الوجود كيف يبقى على حالته الأوّلية، ولا شكّ في ترتّب الأوصاف الكمالية على هذه الإفاضة بمقدار اكتسابه من الكمالات، نعم اتّصاف العبد بالكمال المطلق أمر مستحيل، ولا نقول به.
وتوضيح ذلك: أنّ ما يتصوّر من الكمال على قسمين:
الأوّل: الكمال غير المحدود بحدّ الذي هو من لوازم وجوب الوجود، فهو مختصّ باللََّه تبارك وتعالى.
الثاني: الكمال المحدود بحدّ خاصّ، ولا مانع من اتّصاف الممكن به بافاضته تعالى عليه، فالممكن وإن كان فقيراً بذاته لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، إلّاأنّه بفضل اللََّه ولطف عنايته يتّصف بصفات كمالية، ومنها القدرة على الفعل والترك ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة. أو ليس العلم والكرم وسائر الأخلاق الفاضلة من الكمالات، بل لا غرو في أن يصل العبد بمجاهداته ورياضاته في مراتب الكمال إلى حدّ يكون مظهراً للصفات الإلهية، وبذلك يصير متصرّفاً في الموجودات التكوينية.

[١] في ص‌٧٠.