فرائد السمطین - الحمویي الجویني، ابراهیم - الصفحة ٣٣٥ - الباب التاسع و الخمسون
عمر-و هو ينظر إلى أثرك-:آه آه آه.فقلت:ممّ تأوّه يا أمير المؤمنين؟! قال:من أجل صاحبك-يا ابن عباس-و قد أعطي ما لم يعطه أحد من آل النبي صلى اللّه عليه و سلّم!!!و لو لا ثلاث هنّ فيه ما كان لهذا الأمر من أحد سواه!!! قلت:ما هنّ يا أمير المؤمنين؟قال:كثرة دعابته [١]و بغض قريش له و صغر سنّه!!!قال:فما رددت عليه؟قال:داخلني ما يدخل ابن العم لابن عمّه!!! فقلت:يا أمير المؤمنين أما كثرة دعابته فقد كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يداعب فلا يقول إلاّ حقّا،و أين أنت حيث كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول- و نحن حوله صبيان و كهول و شيوخ و شبان و يقول-للصبي:«سناقا سناقا»و لكل ما يعلمه اللّه يشتمل على قلبه [٢]
و أمّا بغض قريش له فو اللّه ما يبالي ببغضهم له بعد أن جاهدهم في اللّه حين أظهر اللّه دينه فقصم أقرانها و كسر آلهتها و أثكل نساءها لامه من لامه.
و أمّا صغر سنّه فقد علمت[أنّ]اللّه تعالى حيث أنزل عليه «بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» [/١التوبة]فوجّه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم صاحبه ليبلّغ عنه،فأمره اللّه أن لا يبلّغ عنه إلاّ رجل من أهله فوجّهه به فهل استصغر اللّه سنّه؟!!
فقال عمر لابن عباس[رضي اللّه عنه]:أمسك عليّ و أكتم فإن سمعتها من
[١] الدعابة-بفتح الدال-:الدفع.المزاح. و بطلان ما قاله الرجل و نسبه إلى أمير المؤمنين من كثرة الدعابة،أمر جلي لمن سبر تاريخ أمير المؤمنين و سيرته المنقولة من طريق الثقات،و الرجل أيضا كان عليما سناهيا في الخبرة بذلك،و لكن أراد من كلامه هذا أولا استنطاق ابن عباس و استفتاح باب الكلام معه كي يستكشف من خلال بيانه ما ينطوي عليه بواطن بني هاشم و ما يخططون في داخلتهم و نواديهم الخاصة كي يأخذ حذره منهم و يحافظ على إمارته و رئاسته، و هذا أمر شائع في السياسيين فإنهم دائما يتصلون بأولاد خصومهم و من يلوذ بهم ممن ليس له نضج و حفاظ في التحفظ على الأسرار،و يفتحون معهم باب الكلام و يتظاهرون بالمحبة لهم حتى يستعلموا ما في ضميره بما يجري على لسانه. هذا إحدى دواعي الرجل من نسبة الدعابة إلى أمير المؤمنين،و الثاني من دواعيه في نسبة كثرة الدعابة و المزاح إلى علي عليه السلام هو حمل ما يتنفس به و يتظلم منه علي من اغتصاب حقه و استيلاء غيره عليه ظلما: و عدوانا على المزاح و الدعابة كي لا يؤثر كلام علي في أحد و لا يتأثر منه شخص فتبقى إمارتهم مأمونة عن، التزلزل و الانهدام،و يستريحون من المنازعة و المحاربة على استدامة رئاستهم
[٢] كذا في نسخة السيد علي نقي،و في مخطوطة طهران:«دل كل ما يعمله أنه يشتمل على قلبه...»؟