طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣ - الثاني أدلّة القائلين بعدم التحريف
يكن وجه لتسميتها بفاتحة الكتاب.
ومنها: قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّه يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ» [١]، فهذه تدلّ على شدّة إهتمام النّبي صلى الله عليه و آله والمسلمين بقراءة القرآن من الصدر الأوّل، حتّى إنّهم كانوا يقومون كثيراً من الليل لم يكن لهم همّ إلّاتلاوة القرآن.
وقد ورد في الأخبار ما يدلّ على إهتمام المسلمين بتلاوته فإذا مرّ عليهم أحد يسمع لهم دويّاً كدويّ النحل، واهتمامهم بحفظه وتعليمه حتّى صاروا يجعلون تعليمه مهراً لأزواجهم.
ومع ملاحظة هذه القرائن نقطع بعدم إمكان أن تمتد يد التحريف إليه.
الوجه الثاني: آيات من نفس الكتاب العزيز تدلّ صريحاً على عدم التحريف، ولا يخفى أنّ الاستدلال بها ليس دورياً؛ لأنّ المدّعي يدّعي التحريف بالنقيصة لا الزيادة فإنّ الزيادة مجمع على بطلانها والقرآن الموجود في يومنا هذا بما فيه من الآيات مقبول عند الجميع:
منها: قوله تعالى: «وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ* مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» [٢].
فإنّ معنى كلمة الذكر في قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ» هو القرآن، وقوله تعالى: «وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ» شاهد قطعي على ذلك، بل هذه الآية تدلّ على شهرة هذا الاسم للقرآن بحيث يستعمله الكفّار المنكرون للوحي أيضاً، وحفظه بإطلاقه يشمل الحفظ من جميع الجهات من الزيادة والنقصان والتغيير والغلبة عليه وغيرها، ولا دليل على التحديد والتقييد.
[١]. سورة المزمّل، الآية ٢٠
[٢]. سورة الحجر، الآيتان ٦ و ٩