طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٣ - ١ أدلّة القولين
هذا القبيل قول الرسول صلى الله عليه و آله: «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» [١]، ثمّ قال: لا يبعد كون هذا النوع من الوضع هو منشأ التبادر في الحقائق الشرعيّة» [٢].
لكن أورد عليه بعض المحقّقين: بأنّ حقيقة الاستعمال إلقاء المعنى في الخارج بحيث يكون الألفاظ مغفولًا عنها، فالاستعمال يستدعي كون الألفاظ مغفولًا عنها وتوجّه النظر إليه بتبع المعنى، بخلاف الوضع فإنّه يستدعي كون اللفظ منظوراً إليه باستقلاله، ومن الواضح إنّه لا يمكن الجمع بينهما في آنٍ واحد [٣].
والتحقيق: أنّ الإشكال في المقام متوقّف على كون اللفظ آلة ومرآة للمعنى وفانياً فيه، وهو ممنوع جدّاً؛ لأنّ كلّ مستعمل للكلمات والألفاظ ينظر أوّلًا إلى كلّ واحد من اللفظ والمعنى نظراً استقلالياً، ثمّ يستعمل اللفظ في المعنى كما هو واضح بالنسبة إلى من هو حديث العهد بلغة.
نعم يحصل الغفلة عن اللفظ بعد استعمالات كثيرة وحصول السلطة على الاستعمال، ولكن هذه الغفلة المترتّبة على تلك السلطة ليس معناها دخلها واعتبارها في حقيقة الاستعمال وفناء اللفظ في المعنى حين الاستعمال، مع أنّ الاستعمال ليس من الامور الآنية بالدقّة العقليّة، بل يمكن إحضار معان متعدّدة في الذهنّ أوّلًا، ثمّ ذكر اللفظ لإفادتها، كما يأتي توضيحه في مبحث جواز استعمال اللفظ المشترك في المعاني المتعدّدة، فظهر من جميع ذلك أنّ هذا النوع من الوضع متين جدّاً.
ثمّ يبقى الكلام في أنّ الألفاظ الدائرة في لسان الشرع للُامور المستحدثة هل وضعت لها بالوضع التعييني بأحد نوعيه، أو التعيّني؟
[١]. هذا الخبر وإن تكرّر في ألسنة فقهائنا وكتبهم، ولكن لم يرد من طرقنا، انظر: عوالي اللئالي، ج ١، ص ١٩٨؛ صحيح البخاري، ج ١، ص ١٥٥
[٢]. كفاية الاصول، ص ٢١
[٣]. أجود التقريرات، ج ١، ص ٣٣- ٣٤