طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨١ - مناقشات في دلالة الآية و حلّها
٢. آية النفر:
وهي قوله تعالى: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» [١].
قد ذكر في تفسير هذه الآية وجوه، أهمّها ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن يكون المراد من النفر فيها الخروج إلى الجهاد، غاية الأمر أنّها تنهى المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد كافّة وتأمرهم بالإنقسام إلى طائفتين: فطائفة منهم تنفر إلى الجهاد، وطائفة اخرى تبقى عند الرسول للتفقّه في الدين.
والقائلون بهذا الوجه استشهدوا له بصدر الآية وهو قوله تعالى: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً» فإنّه يدلّ على أنّهم كانوا ينفرون كافّة إلى الجهاد حذراً عن شمول الآيات النازلة في المنافقين القاعدين لهم، فنهاهم اللَّه عن هذا النحو من الخروج وأخبرهم بأنّ الجهاد مع الجهل واجب كالجهاد مع العدوّ.
وهذا الوجه مخالف لظاهر الآية من بعض الجهات:
أوّلًا: أنّه يحتاج إلى تقدير جملة «وتبقى طائفة».
وثانياً: لابدّ من رجوع الضمير في قوله تعالى: «ليتفقّهوا» إلى الطائفة الباقية مع أنّ الظاهر رجوعه إلى الفرقة النافرة المذكورة في الآية.
وثالثاً: من ناحية رجوع الضمير في قوله تعالى: «ولينذروا» إلى الطائفة الباقية، مع أنّ ظاهره أيضاً الرجوع إلى النافرة.
الوجه الثاني: أن يكون المراد من «النفر» النفر إلى الجهاد مع عدم التقدير المذكور في الوجه الأوّل، فيرجع الضميران إلى الطائفة النافرة، أي التفقّه والإنذار يرجعان إليهم، واللَّه تعالى حثّهم على التفقّه في ميدان الحرب بالتبصّر والتيقّن بما يريهم اللَّه من نصرة الدين وصدق قوله تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ
[١]. سورة التوبة، الآية ١٢٢