طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٩ - ٨ الكلام في الخطابات الشفاهيّة
أنّها تشمل جميع صيغ التخاطب حتّى صيغ التخاطب من الأوامر والنواهي، ووقع الإشكال بالنسبة إلى غير الحاضرين مجلس التخاطب من جهات ثلاث:
الاولى: هل يصحّ تعلّق التكليف الوارد في الخطابات الشفاهيّة بالغائبين والمعدومين أو لا؟
الثانية: هل يصحّ توجيه الخطاب إلى غير الحاضرين حقيقة أو لا؟
الثالثة: أنّ أدوات التخاطب لماذا وضعت؟
أمّا الاولى: فالحقّ أنّ الكلام هنا ليس في المعدوم بما هو هو، فإنّه لا معنى لتوجّه التكليف إليه لا فعلياً ولا إنشائياً، بل المراد منه المعدوم على فرض وجوده وعلى نهج القضيّة الحقيقيّة ويمكن توجّه التكليف في فرض وجود موضوعه، كما في القضايا الشرطيّة.
وأمّا الثانية: وهو جواز مخاطبة المعدومين فجوابه ظهر ممّا مرّ، فإنّه إن كان المراد مخاطبة المعدوم بلحاظ العدم فلا يجوز قطعاً، وأمّا إذا كان بلحاظ حال الوجود فلا إشكال فيه، لأنّ حقيقة الخطاب توجيهه نحو الغير مع الإيصال إليه بأيّ وسيلة كانت سواء كان الغير حاضراً أو غائباً، وليست حقيقته المشافهة حتّى يختصّ جوازه بالحاضر في المجلس، ولذلك تكتب الرسائل ويخاطب فيها الغائب أو تكتب الوصية للجيل اللاحق وهم مخاطبون فيها، كما ورد في وصية أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«أُوصِيكُمَا، وَ جَمْيِعَ وَلَدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللَّهِ، وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ» [١]
، فإنّه يشمل جميع الأجيال حتّى في عصرنا.
وأمّا الثالثة: فالإشكال فيه ناشٍ عن توهّم وجود الملازمة بين الخطاب والحضور وأنّ الحضور لازم فيه، بينما أنّ حقيقة الخطاب هي توجيه الكلام نحو الغير مع الإيصال إليه بأيّ وسيلة كما تقدّم.
[١]. نهج البلاغة، الكتاب ٤٧