المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢ - الوضع ظاهرة إلهية
عبر آلاف السنين فلا مانع من قيام أُمّة كبيرة بعمل خارج عن إحاطة الإنسان الواحد أو الجماعة القليلة، أعني: وضع اللغة وإكمالها، حسب ما أُلهموا من قبل خالقهم سبحانه الّذي قال: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)[١].
ويمكن توجيه كلام المحقّق النائيني بأنّ وضع الألفاظ في مقابل المعاني وإن كان ظاهرة بشرية في حياة الإنسان، لكنّ ذلك تحقّق بعناية من الله سبحانه حيث ألهم الإنسان ألفاظاً خاصة في مقابل معاني كذلك، فلولا إلهامه سبحانه وعنايته لم يقدر الإنسان على تلك الظاهرة بهذه الدقائق الفنية والاستيعاب.
ولكن الظاهر من الذكر الحكيم أنّه سبحانه علم آدم الأسماء كلّها فلو أُريد من الأسماء ألفاظ المعاني والحقائق، فهو يدلّ على أنّ الوضع بالنسبة إلى اللغة الّتي كلّم الله بها آدم كانت أمراً إلهياً، مضافاً إلى أنّه سبحانه خاطب آدم وقال: (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[٢]، إلى غير ذلك من الخطابات الواردة في سورة البقرة. نعم الآية تدلّ على سبق الوضع في اللغة الّتي خاطب بها آدم (عليه السلام) دون سائر اللغات.
[١] الرحمن: ١ ـ ٤ .
[٢] البقرة: ٣٥ .