مسند الإمام العسكري أبي محمد الحسن بن علي(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ١٩٥ - احتجاج النبي
«أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ» يا محمّد «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا».
فأحوجنا بعضا الى بعض، أحوج هذا الى مال ذلك، و احوج ذلك الى سلعة هذا و الى خدمته. فترى اجلّ الملوك و اغنى الأغنياء محتاجا الى افقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، و إما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك ان يستغنى الا به، و إما باب من العلوم و الحكم هو فقير الى ان يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج الى مال ذلك الملك الغني، و ذلك الملك يحتاج الى علم هذا الفقير او رأيه او معرفته.
ثم ليس للملك ان يقول هلا اجتمع الى مالي علم هذا الفقير، و لا للفقير ان يقول هلا اجتمع على رأيي و علمي و ما اتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك الغني.
ثم قال اللّه: «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا» ثم قال: يا محمّد قل لهم «وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» اي ما يجمعه هؤلاء من اموال الدنيا.
ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و اما قولك «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» الى آخر ما قلته، فانك قد اقترحت على محمّد رسول اللّه أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين و يحتج عليهم بما لا حجة فيه، و منها ما لو جاءك به كان معه هلاكك.
و انما يؤتى بالحجج و البراهين ليلزم عباد اللّه الايمان بها لا ليهلكوا بها فانما اقترحت هلاكك و ربّ العالمين أرحم بعباده و أعلم بمصالحهم من ان يهلكهم كما تقترحون، و منها المحال الذي لا يصح و لا يجوز كونه و رسول رب العالمين يعرفك ذلك و يقطع معاذيرك و يضيق عليك سبيل مخالفته، و يلجئك بحجج اللّه الى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد و لا محيص، و منها ما قد اعترفت على نفسك إنّك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة و لا تصغي الى برهان، و من كان كذلك فدواؤه عذاب اللّه النازل من سمائه في جحيمه او بسيوف اوليائه.