رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٦ - في بيان معنى الإصرار
و عليه كان المراد من الإصرار على الصغائر في تعريف العدالة هو القدر المشترك المذكور من باب عموم المجاز احتمالان، أظهرهما الثاني بالنظر إلى العرف، فإنّ الظاهر المتبادر منه في العرف إنّما هو التكرار، و لذا فسّر لغة بالدّوام، و هو المتبادر من اللزوم أيضا، و هو لا يتحقّق بمجرّد قصد العود إلى الشيء بعد الفراغ منه.
و ما تقدّم من أنّه بعزمه على العود لزمه و داومه مدفوع، بأنّه يقال: كأنّه لزمه و داومه و هذا آية عدم كون إطلاقه عليه على وجه الحقيقة. فما في مفتاح الكرامة- من أنّ الفاعل للشيء العازم على المعاودة إليه مقيم، إذ لا معنى للإقامة على الذنب إلّا ذلك إذ ليس المراد الملازمة الفعليّة [١]- ممّا لا ينبغي الإصغاء إليه.
و بالجملة قصد العود إلى المعصية بعد الفراغ منها ما لم يتحقّق العود ليس من الإصرار على المعصية عرفا و لا لغة و إن قلنا بكون قصد المعصية معصية، لأنّه معصية معفوّ عنها كما حقّق في محلّه، و مثله ما لو قصد صغيرة من غير فعل لها و استمرّ على هذا القصد فإنّه أيضا ليس من الإصرار على الصغيرة حتى على القول بكونه معصية، و أمّا كونهما في حكم الإصرار باعتبار قدحهما في العدالة و دخول تركهما كترك الإصرار في مفهومها فغير واضح أيضا، لعدم وضوح دليل عليه من النص و الإجماع، و إن قلنا بكشفهما عن خبث الباطن و سوء السريرة اللذين هما من العيوب الباطنية إلّا إذا كانا بمثابة لم يجامعهما الملكة الباعثة على ملازمة التقوى، فيقدحان في العدالة حينئذ على القول بدخول الملكة المذكورة في مفهومها لا مطلقا.
و أمّا ما تقدّم من الروايات القاضية بكون ترك الندم و الاستغفار من الإصرار المحمولة على صورة العزم على العود فليست صريحة و لا ظاهرة في كونه بمنزلة الإصرار في القدح في العدالة، و المسألة بعد محلّ إشكال ممّا في مفتاح الكرامة من قوله: و أمّا الإصرار فالمشهور كما في مجمع البرهان أنّه يحصل بالمرّة
[١] مفتاح الكرامة ٣: ٨٨.