دراسات في أصول الفقه - الكلانتر، السيد محمد - الصفحة ٥٣ - مختار المحقق النائي في المعنى الحرفي
و هكذا الامر في سائر الحروف.
و قد انقدح مما ذكرناه: ان ما افاده المحقق الرضي الأسترآباديّ (ره) في عدم وجود معان للحروف اصلا، بل هى من قبيل العلامات الصرفة، كما هو شأن الاعراب .. غير سديد. إذ قد عرفت ان للحروف معان كالاسماء، لكنها متوقفة في مقام اللحاظ على لحاظ غيرها، كقيام وجود العرض بوجود معروضه. و لعل منشأ توهمه (قده) ما افاده القوم في تعريف الحرف بانه «ما دل على معنى في غيره»، و تخيل ان المراد به عدم وجود معنى للحرف؛ مع ان الامر ليس كذلك، بل المراد: ان معاني الحروف ليست قائمة بنفسها كمعانى الاسماء.
و من المعلوم انه فرق واضح بين كون الشيء علامة صرفة و بين كون معناه قائما بغيره. إذ الاول لا يكون إلّا حاكيا عن معنى في غيره، كما هو شأن الاعراب، حيث انه يحكى عن الفاعلية و المفعولية و نحوهما التى تكون ثابتة في «زيد» في قولك «جاء زيد» و «ضربت زيدا» .. و هذا بخلاف الثانى، إذ كون معناه قائما بغيره ليس بمعنى انه يحكى عنه، بل انه موجد له- كما ستعرف إن شاء اللّه.
و من هنا يعلم الفرق بين القول الرابع- الذى اختاره بعض اساتذتنا- و بين القول الخامس- الذى اختاره المحقق النائينى (قده)- .. إذ القول الرابع صريح في ان الحروف تحكى عن النسب المتقررة فى عالم العين او الاعتبار او الذهن؛ و هذا بخلاف القول الخامس، فانه دال على ان الحروف توجد معانيها في موطن الاستعمال، و ليس لها نحو تقرر و ثبوت في وعاء العقل اصلا.
فالقولان و إن كانا مشتركين في عدم استقلال معانيها، و انها قائمة بغيرها، لكن يمتازان من هذه الجهة، و هي جهة الحكاية و الموجدية.