القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٢٨ - في التّحسين و التّقبيح
العاجلة و الآجلة، و الإذن من اللّه تعالى شأنه في التصرّف معلوم عقلا، لأنّ ما يتصوّر من جانبه من المانع إنّما هو التضرّر، و هو منتف قطعا كالاستظلال بحائط الغير، و الاستضاءة بنوره، و التسخّن بناره، حيث لا يوجب المذكورات ضررا على أحد، فيكون حسنا، بمعنى أنّ للفاعل القادر أن يفعله و لا يستحقّ ذمّا.
و احتمال حصول المفسدة في الواقع و إن لم تعلمها كما نشاهد وجودها في بعضها بعد كشف الشّرع، مثل حرمة الغناء، و الفقّاع الغير المسكر، و أمثال ذلك، لا يوجب حصول تزلزل في إدراك العقل، لأنّ هذا الاحتمال المبحث الذي لا منشأ له و لا أمارة عليه قبل ورود الشّرع ممّا لا يعتدّ به عند العقلاء، كما ترى إنّهم يلومون من يتحرّز عن الجلوس تحت الحائط المحكم البنيان الذي لا ميل فيه و يلحقون تجويز المضرّة حينئذ بظنّ أصحاب الجنون و السّوداء، مع أنّ هذا الاحتمال معارض باحتمال المفسدة في ترك الفعل أيضا، و هو يستلزم التكليف بالمحال، و المانع هنا أيضا لم يتشبّث إلّا بأنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه، فكأنّه نفى احتمال مفسدة أخرى أيضا، و قد عرفت أنّه فاسد، مع أنّ حرمة مطلق التصرّف في مآل الغير غير معلوم عقلا و لا نقلا، و كذلك مطلق الغير حتى الخالق المنزّه عن النّقص و الاحتياج [١].
ثمّ إنّ الفاضل الجواد بعد ما استدلّ على مختاره بمثل ما ذكرنا، قال: لكن لا يبقى شيء هو أنّ الحكم بالحسن فيما نحن فيه لا يجتمع مع فرض أنّه ممّا لا يدرك بالعقل حسنه و لا قبحه.
[١] و كل هذه الاحتجاجات للمصنّف على مختاره من الإباحة الواقعية، لم تنهض إلّا بإثبات الإباحة الظّاهرية كما عند صاحب «الفصول» ص ٣٤٨.