القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ١٠٩ - تنبيه إعمال أصل البراءة قبل الشّرع
هو النصّ، و في الكلّ نظر.
أمّا الأوّل: فلأنّ العقل يحكم بجواز التمسّك بأصل البراءة إذا لم يثبت دليل على شيء. فإذا فرض كون الاستدلال به موجبا لشغل الذمّة من جهة أخرى، فلا وجه لمنعه، لأنّ ذلك [١] دليل أيضا، و ليس ذلك إثبات الحكم من غير دليل.
مثلا: إذا شكّ في اشتغال ذمّته بدين عظيم، و كان له مال يستطيع به الحجّ لولاه، فالتمسّك بأصالة البراءة عن ذلك الدّين يوجب إيجاب الحجّ عليه، و ذلك غير مخالف لعقل و لا نقل، بل هو موافق لهما.
و أمّا ما ذكره من الأمثلة التي أوجبت وقوعه في هذا التوهّم، فكلّها غير منطبقة على مدّعاه.
أمّا الأوّل [٢]: فلأنّ الدّليل قام على وجوب اجتنابهما من النصّ و الإجماع، و لذلك لا يصحّ التمسّك بالأصل.
و أمّا ما لا دليل عليه بالخصوص كالدّرهم الحرام في دراهم محصورة، فلا دليل على وجوب اجتناب الجميع، و يمكن جريان الأصل فيه و لا مانع من استلزامه الحكم بوجوب الاجتناب عن الباقي، سيّما مع ملاحظة الأخبار الواردة فيه كما تقدّم.
[١] أي كون الأصل دليلا، فهذا ليس إثبات الحكم من غير دليل.
[٢] إنّ مسألة الإناءين المشتبهين في شبهة محصورة لا ريب في وجوب اجتنابهما بالنصّ و الإجماع و لذا يقول بوجوب اجتنابهما حتى من لا يذهب الى وجوب اجتناب الشّبهة المحصورة، بمعنى أنّ العلم الإجمالي منجّز للتكليف بأنّ أجري في أحدهما بعينه فهو معارض بالآخر، و إن اجري بأحدهما لا يعينه فهو معارض بآخر لا بعينه، فقول المصنّف: إنّ النصّ و الاجماع أوجبا لعدم جريان الأصل لا أنّه مثبت لحكم شرعي لا يخفى ما فيه لما عرفت.