القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤٣ - قانون؛ أصالة البراءة
و كيف كان، فأصل البراءة بالمعنيين اللّذين ذكرناهما [١]، يمكن جعله موضوعا للمسألة التي نحن على صدد بيانها.
و الحقّ، أنّه بالمعنيين حجّة شرعيّة، و مقتضاه نفي التكليف و رفع الحكم المشكوك فيه، و هو مختار أكثر العلماء.
و ذهب جماعة الى التوقّف و لزوم الاحتياط.
ثم إنّ الاستدلال بأصل البراءة إمّا فيما يستقلّ العقل بالحكم بإباحته قبل وصول الشّرع كشمّ الورد و أكل الفاكهة أو لا.
و الثاني: إمّا ورد فيه نصّان متعارضان، أو لم يرد فيه نصّ أصلا.
فالإباحة في القسم الأوّل إنّما يثبت بالعقل. و فائدة التمسّك بأصل البراءة نفي منع الشّارع ما لم يثبت المنع بدليل يقطع العذر، إذ قد بيّنا فيما سبق أنّ حكم العقل بالإباحة لا ينافي أن يكون في ذلك الشّيء مفسدة كامنة لا يظهر إلّا ببيان الشّرع، و أنّ احتمال ذلك لا يضرّ فلا بدّ لمن يدّعيه من إثباته، فالتمسّك بأصل البراءة حقيقة إنّما هو لأجل نفي ذلك، لا لإثبات الإباحة العقليّة.
و أمّا ما لا يستقلّ العقل بالحكم بإباحته، كالتكفير حال الصلاة مثلا، و عدم وضع الأنف على الأرض حال السّجود؛ فأصل البراءة تنفي الحرمة في الأوّل لو لم يثبت النصّ عليها، و الوجوب في الثاني. فيبقى الفعل في الأوّل و الترك في الثاني مسكوتا عنه عند العقل، لأنّهما ليسا كشمّ الورد و أكل الفاكهة، و لكن يلزمه
- الأصول و قد ذكر جملة منها في «الوافية» فراجعها.
[١] و هما استصحاب البراءة السّابقة، و القاعدة المستفادة من العقل و النّقل أن لا تكليف إلّا بعد البيان.