القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤١ - قانون؛ أصالة البراءة
و هذا الإطلاق إنّما يناسب بالنّسبة الى ما شكّ في تحريمه أو وجوبه، لأنّ اشتغال الذّمة لا يكون إلّا بالتكليف، و التكليف منحصر فيهما، فالتمسّك بأصل البراءة بهذا المعنى إنّما يصحّ في مقابل دعوى الحرمة أو الوجوب.
و الثاني: أنّ القاعدة المستفادة من العقل و النقل أن لا تكليف إلّا بعد البيان أو وصول البيان إلينا بعد الفحص و الطّلب بقدر الوسع فيما يحتمل فيه الحكم المخالف للأصل، للزوم التكليف بما لا يطاق لولاه.
و الثالث: أنّ الرّاجح عند العقل براءة الذّمة إن جعلنا الرّاجح من معانى الأصل، أعمّ من المتيقّن و المظنون، و لكنّ الأصوليّين جعلوا كلّ واحد من المعنيين الأوّلين أصلا برأسه، و دليلا على حدة، و أصالة البراءة دليلا ثالثا.
و الأوّل: هو ما يسمّونه استصحاب النّفي، و استصحاب حال العقل، و سيجيء الكلام فيه.
و الثاني: هو الأصل المتّفق عليه المعروف بينهم من أنّ عدم الدّليل دليل على العدم، فجعل أصالة البراءة قسما على حدة مشكل.
نعم، هو نوع خاصّ من هذا الأصل، كما أنّ الأصل الآخر المعروف بينهم من نفي الأكثر عند تردّد الأمر بينه و بين الأقلّ نوع من أصل البراءة، و ذلك لأنّ هذا الأصل يجري في جميع الأحكام الشرعيّة، و أصل البراءة مختصّ بقسمين منها.
و يمكن الفرق بنحو آخر، و هو أن يقال: إنّ ذلك الأصل ناظر الى إثبات الأحكام الشرعيّة و نفيها للموضوعات العامّة من حيث إنّها أحكام شرعيّة، و هي ناظرة الى تعلّقها بخصوص ذمّة آحاد المكلّفين.
و الحاصل، أنّ نفس البراءة الثّابتة لا يمكن أن تصير من الأدلّة الشرعيّة، بمعنى أن تثبت حكما شرعيا، فينسب عدم الوجوب أو عدم الحرمة من جهتها الى