معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٥ - بناء المؤسسات ضرورة حضارية
بِمَجْنُونٍ) (القلم/ ٢- ١)، فلماذا كان القلم أداة العلم، والبيان وسيلته، ولماذا كان العلموالبيان ميزة الإنسان؟
الجواب: لأن العلم والبيان يتولان مسؤولية نقل الخبرة من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، في حين إن هذه القدرةمعدومة تماماً لدى سائر الكائنات الحيّة، ولذلك فإنها متوقفة عند حد معين من الفهم والمعرفة.
فالبيان وسيلة لنقل التجربة من إنسان إلى آخر، السمة الأساسية له هي سمة الحضور، فالإنسان كائن حيّ متحضّر، اجتماعي، مبيّن ناطق، ولكن الناس مع ذلك يختلفون في مستويات تحضّرهم، فهناك بعض الحضارات متقدمة، وهناكحضارات متوسطة في التقدم، في حين أن هناك حضارات بدائية متخلّفة.
مقياس التحضّر
إن القيمة التي نقيس بها الحضارة ونحكم على ضوئها بأنها متقدمة، أو متوسطة، أو متخلفة، هي مدى (الحضور) فيها؛ فنحن قد نحضر عند بعضنا حضوراً مادياً بحتاً كما تجتمع أعواد الثقاب إلى بعضها في العلبة، ولكن ترى هل هناك تفاعل بيننا في هذه الحالة؟ الجواب بالنفي طبعاً، ولذلك فإننا لا نستطيع أن نسمّي علبة أعوادالثقاب بحضارة الثقاب، لأن الحضور في هذه الحالة هو حضور فيزيائي صرف وليس حضوراً معنوياً.
والآن فإن من الوسائل التي يستطيع بها العلماء معرفة مدى تحضّر شعب ما هي مفردات اللغة التي يتعامل بها، فهناكبعض الشعوب البدائية لا تمتلك مفردات لغوية كثيرة، فالجمل عندها بسيطة التركيب، لأن أفرادها لا يتمتعون بخبرةكبيرة لكي يحتاجوا إلى نقلها إلى بعضهم البعض، فنقل الخبرة بحاجة إلى البيان، والبيان بحاجة إلى تطوير للفهم، ولذلكنجد أن معلوماتهم بسيطة، وحضارتهم محدودة رغم أنهم يعيشون سوية.
إن الحضارة روح، وتفاعل معنوي يؤدي إلى التعاون، ونحن إذا أردنا أن نبني الحضارة الإسلامية فعلينا أن نعود إلىالجذور، وإلى الفكرة الأساسية في الحضارة،