معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٣
والدول التقرب إليهم والاستفادة من تجاربهم.
وليس هذا وذاك- في حقيقة الأمر- إلا مصداقاً لقول اللَّه سبحانه وتعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لَانفُسِكُمْ وَإِنْأَسَأْتُمْ فَلَهَا) وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِانفُسِهِمْ). فالمسلمون الذينيمتلكون هذه المنطلقات الطيبة وأمثالها، كان من المفترض بهم التقدم على غيرهم، وهم إذا ما وجدوا أنفسهم متأخرينعن غيرهم بفعل أخطاء التطبيق وظلم الظلمة وتكالب الأعداد .. فليس من الجدير بهم النكوص والتراجع واليأس، لأنهم بذلك يكونون قد خرجوا عن حدود الدائرة الدينية، والعياذ باللَّه، إذ أنّ التكذيب أمر باطل، واليأس من روحاللَّه هو داء الكافرين باللَّه. بينما الإقبال على الحياة بإيمان وشجاعة وثقة بالنفس وتوكّل على اللَّه القائل: (إِنتَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) هو الكفيل بإعادة الروح إلى جسد الأمة الإسلامية، وهو الكفيل أيضاًبتقدم المسلمين على غيرهم، وما دون ذلك يعني التراجع والذل واستعباد الآخرين لهم، كما هو حاصل بالفعل، ويشعربه المسلمون في كل لحظة وفي كلّ مكان.
عالمية النبي إبراهيم عليه السلام
لقد أضفى اللَّه سبحانه وتعالى بإرادته القادرة على رسالة وشخصية النبي إبراهيمعليه السلام الصفة العالمية، وذلك لعمقالشمولية الحاصلة في تفاصيل هذه الرسالة المباركة، بالإضافة إلى كونه قد أصبح بحكمة اللَّه أباً للأنبياء من بعده في منطقةالجزيرة العربية وما حولها، وقد تجلت هذه الحقيقة بصورة أكبر حينما رفع قواعد البيت الحرام ليكون قبلة الناس إلى اللَّهضمن عملية توحيد القلوب إلى خالقها؛ بل وأبعد من ذلك حينما دعا هذا النبي العظيم ربّه سبحانه وتعالى بأن يجعلأفئدة من الناس تهوي إلى من خلّفه من ذرية في وادي مكّة المقفر، وذلك في إيحاء مباشر إلى الفكر البشري عموماً، بأنّالتوجه إلى القبلة إنمّا هو وسيلة إلى التمحور والولاء لذرية