معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦١ - بين الحضارة الإسلامية والمدنية الغربية
المعتقدات اليهودية، كالاعتقاد بأنهمشعب اللَّه المختار وما إلى ذلك من أفكار خرافية، فإن كل ذلك من آثار الفلسفة اليونانية التي كانوا يعتقدون بها، والتيعكّرت صفو مذهبهم؛ حيث خلطوا السم بالعسل، فامتزجت قيمهم الحضارية الرفيعة برواسب جاهليتهم اليونانية القديمة، فأضحوا يعيشون الازدواجية في تعاملهم. ولذلك لم يكن غريباً أن تصدر السلوكيات الهمجية الجاهلية منهم فيتعاملهم مع الأمم الأخرى في نفس الوقت الذي تسود فيه بينهم روح المدنية المتحضرة والديموقراطية، حتى راحوايدافعون عن حقوق (الحيوان) ويؤسسون الهيئات والمنظمات التي تدافع لذلك.
إن الإنسان الأميريكي والغربي عموماً يعيشان سلوكين؛ سلوكاً مظلماً قاتماً، مصدره قيم الحضارة اليونانية، وسلوكاًمضيئاً أخذ نوره من شمس الإسلام التي أشرقت على أوروبا في عصورها الوسطى. والحضارة اليونانية- كما هومعروف- هي حضارة الغاب، وحضارة الوثنية والعنصرية التي ولدت في بيئة قادة عسكريين قساة كانوا يجهزونالحملات، ويشنّون الهجمات على البلدان الأخرى المجاورة لهم فيحطموها؛ ومثال ذلك الإسكندر المقدوني الذي كانيغير على البلدان المختلفة بجيوشه، فيقتل، ويذبح، ويدمر، ثم يصفق له شعبه تأييداً وموالاةً!
هذا في حين لا توجد في الإسلام أية شائبة من هذا القبيل، فالإسلام ما رفع سيفاً إلا دفاعاً عن الحق، ونصرةً للمظلوم، وإعلاءً كلمة الإسلام، وكان آخر ما يفكّر فيه هو السيف والقتال حيث لا يجد سبيلًا آخر. فالحضارة الإسلامية نابعةمن منهل القرآن العذب النقي، فهي حضارة مهذبة من كل أثر جاهلي.
ترى لماذا لا نبادر نحن إلى استثمار الجيد الذي نمتلكه، ولم نخلطه بالرديء الذي كان عندنا أيام الجاهلية الأولى، أو بمانراه الآن عند الغرب من فساد وانحطاط حضاري، لنشيّد حضارة عالمية جديدة نقية من كل جوانبها؟ بالطبع إن هذاشيءٌ مطلوب للغاية، فلقد استطاع أسلافنا بالأمس القريب أن يشيّدوا تلك الحضارة الرفيعة التي انتشرت في أقاصيآسيا، وأعماق أفريقيا، وأطراف أوروبا، فهيمنوا على العالم بقيمهم ومبادئهم الإنسانية.