معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧ - الإيمان والبوعث الحضارية
هو ذلك التجمع الإنساني الحضاري المتكامل الذي يكتنفه عنصر الأمن.
إن الأمن من العناصر الحياتية الضرورية التي تحتاجه كافة الكائنات الحية وبالذات الحياة البشرية، فلو كانت لناحضارة متقدمة وراقية ولكن ليس فيها أمن، فما فائدة تلك الحضارة وصرحها الشامخ؟ فلو قالوا لك مثلًا؛ هناك قصرمنيف جداً ولكن فيه (جن)، فحتى لو باعوه لك مجاناً، فهل على استعداد لتسكن فيه؟!
نتذكر أن أيام القصف الصدامي على عاصمة الجمهورية الإسلامية وبسبب توالي الصواريخ كان الناس يخرجون منالمدينة ويتركون وراء ظهورهم البيوت الكبيرة والقصور والشوارع و .. ويلجؤون إلى القرى والفيافي بحثاً عن الأمان!
إذن، فاللَّه سبحانه هيأ للإنسان الفاكهة وهيأ له الإدام المناسب، ووفر له الموقع الحصين والجميل والرابية الخضراء (وَطُورِ سِينِينَ) ومنحه الأمن والتعاون .. فكل هذه هي آلاء ونعم إلهية يقسم اللَّه تعالى بها بعد أن وفرهاجميعاً لمصلحة الإنسان .. (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، هذا الإنسان الذي يستطيع أن يحرثالأرض ويستنبتها ويطعم نفسه بالتين والزيتون الذي يحافظ على أمنه وأمانه من أسباب الخوف والرعب كالزلازلوالحروب؛ إن هذا الإنسان خلقه سبحانه وتعالى خلقة قويمة ومتكاملة لا يعتريها نقص ولا يشوبها عوز، لقد منحبالعقل الذي هو قوام التطور والانطلاق لتشييد صرح حضارته البشرية، فهو يمتاز عن كافة الكائنات الحية الأخرىبالقدرة على التفكير وتطوير الأساليب والوسائل العملية والتعاون مع الآخرين لبناء مدنيته، وهذا مالم ولن تقدر عليهالحيوانات.
بين قوام الإنسان وتسافله
ولكن نفس هذا الإنسان القويم والمتكامل، بإمكانه- بين عشية وضحاها- أن ينزل إلى مستوى حتى دون مستوىالوحوش الكاسرة، فتراه يختلف مع زميله