معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - التعارف منطلق الحضارة الإيمانية
قبضه شيئاً وثمناً لذلك أبداً.
لقد ورد في الرواية الكريمة عن الإمام جعفر الصادقعليه السلام:
(من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخريومه شرهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه كان إلى النقصان أقرب، ومن كان إلى النقصانأقرب فالموت خير له من الحياة) [١].
فالعمر يتجه إلى الانقضاء، ولا توقف- أبداً- في هذا التوجه والمسيرة، في حين أن ابن آدم قد يصرف عمره ولا يحصل على ما ينفعه، وهو إن لم يحقق التطور والتغيير والتحول في كيانه وفيماحوله، فإن حياته ستكون إلى غبن وخسران وهباءٍ ..
واستناداً إلى هذا المنطلق وهذه الاستراتيجية السامية نلاحظ أن القرآن الكريم حينما يحدّث الإنسان كأكرم مخلوق- أوهكذا يفترض فيه-، يبعث في ضميره صاعقةً تجري في دمه كما التيار الكهربائي القوي، ليوقظه من غفلته، ولينفض عنهغبار الكسل والجمود.
وقد أخذ القرآن الكريم عيّنة مثيرة وجديرة بالتوجه لإثبات هذه الحقيقة، وهي قصة الأعراب الذين قالوا آمنا ولميكن الإيمان قد دخل إلى قلوبهم بعد .. نظراً لأنهم يعيشون في الصحراء ويتنقلون بين منازلها، بحثاً عن الماء والكلأ، فلايجدون فرصة لتحصيل العلم والمطالعة والتثقف .. حتى أن اللَّه سبحانه وتعالى قال عنهم في كتابه: (الاعْرَابُ أَشَدُّكُفْراً وَنِفَاقاً) (التوبة/ ٩٧)، ولعلهم كانوا من بني سليم الذين نزلوا المدينة فوجدوا أهل المدينة أناساً متثقفينبثقافة الإسلام على يد رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وسلم، ويقرؤون القرآن ويتداولون الأحاديث النبوية الشريفة .. فظنوا جهلًا أنالقضية قضية يسيرة؛ لا تعب ولا نصَب فيها .. (فقَالَتِ الاعْرَابُ ءَامَنَّا). فقال لهم اللَّه عز وجل: (قُل لَمْتُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَغَفُورٌ رَحِيمٌ). إذ الإيمان أمر بحاجة لئن تستوعبه الأفئدة وتمارسه الجوارح.
ففي هذه القصّة والعيّنة القرآنية أوضح اللَّه تبارك أسمه مجموعة حقائق تمثل محور
[١] بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ١٧٣.