معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٧ - من أجل حضارة إسلامية
بالنسبة للحركة العالمية ولسائر الشعوب والدول والحضارات، إذ كانت تجد في الحضارة المدنية الإسلامية كعبتها وقدوتها. فالعالم كله كان شديدالفضول والتطلع إلى الكشف عن تفاصيل حياة المسلمين؛ كيف يفكرون وكيف يتعاملون وكيف يتقدمون وكيف وكيف ... وسبب ذلك كله كان المسلمون القمة في التشريعات والتطبيقات؛ في الحركة والتعاون، في المال والاقتصاد، في القوةوالحرية. وليس عجباً أن نرى المؤرخين يؤكدون روعة التقدم الحضاري للمسلمين، ويصورون أجمل الصور وأروعهاعن طبيعة حياتهم، حتى أن أحد المؤرخين لم يغفل عن إحصاء عدد الحمامات في بغداد، حيث وصل إلى زهاء الألف، وكذا المساجد والمدارس والمستشفيات والحوزات العلمية، وكانت أهمها الحوزة التي يشرف على إدارتها زعيم الشيعةونقيب الطالبيين والأشراف السيد الشريف المرتضى الملقب ب (علم الهدى) ومن بعده شيخ الطائفة أبوجعفر الطوسي، اللذان كانا يهتمان كل الاهتمام بالطلبة والدارسين، وكان من أمر علم الهدى أن صنع لكل واحد منطلابه مفتاحاً خاصاً به لأخذ ما يحتاجه- من دون حرج- من بيت المال الخاص بالحوزة العلمية المشار إليها آنفاً، حيث تجمع فيها المخصصات والنذورات والهدايا والحقوق الشرعية، وما كان أحد من طلابه يأخذ أكثر من حاجتهاليومية. ولعمري إن في ذلك المصداق الأكبر في الأمانة من جهة، والاهتمام بالتطور العلمي، وما ذاك إلّا صورة مصغرةللغاية عن عظمة ما وصلت إليه العقلية الإسلامية المخلصة والطامحة للتطور، وسبق الأمم الأخرى من جهة ثانية.
لقد كان العالم يجهل حياة وطبيعة المسلمين، ولكن الأمر قد انعكس تماماً في الزمن الحاضر، وإذا الحضارة والقوةوالقدرة قد انتقلت إلى مناطق أخرى، فالمسلم أينما يولي وجهه فهو يسمع خبراً علمياً صادراً من أوروبا أو أميركا أواليابان، فاليوم تم اكتشاف علاج مرض السل، وخبر آخر يشير إلى غزو الفضاء، وآخر يتحدث عن التطور الصناعيو .. و ..
بلى؛ إن تطور وتقدم المسلمين آنذاك كانت له أسبابه، واضمحلالهم- فيما بعد- كانت له أسباب أيضاً. وكذلك العالمالغربي محكوم بنفس القانون، فإذا كانت القوة والقدرة والرقي موجوداً اليوم في الحضارة المدنية الغربية؛ فإن ذلك كله قد يتلاشى-