معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٦ - التعارف منطلق الحضارة الإيمانية
الاستغلال هذه تذهب الحرمات. ولا شك أنه لا حضارة دون قوانين وحرمات، والالتزام بالقوانين ورعايةللحرمات ..
وبهذا الصدد يقول الكاتب الجزائري مالك بن نبي كلمة جميلة- رغم تحفظنا عليها من وجهة النظر التاريخية و العقائدية-: لقد ارتفعت الأمة الإسلامية وسمت يوم آخى رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وسلم بين الأنصار والمهاجرين .. ولكن العدالعكسي لهذا الارتفاع سرعان ما بدأ حينما اقتتل المسلمون في حرب صفين، فأصبح مجتمعاً بلا أُخوّة.
ورغم ذلك أقول: نحن لدينا- بتوفيق اللَّه- بقايا من آثار الوحي، وبقايا من أخلاق أجدادنا وآبائنا، ولدينا بقايا منتعاليم ديننا .. ولكن هذه البقايا لم تعد تكفي لبناء حضارة، والأمر الملحّ هنا هو تعميقها وتكريسها وتوسيعها ووضعهاعلى أسس واضحة .. فلا يكون أكبرُ همِّ أحدنا التفكير بنفسه، بل لابد من التفكير بالآخرين ومطالبهم واحتياجاتهم و حقوقهم وحرماتهم. ومن طريف ما يذكر نتيجة الإحصائية التي أجريت في الولايات المتحدة الأميركية، حيث علمأن معظم الكلمات المتبادلة عبر الهاتف هي كلمة (أنا) مما يعني تصاعد حدة الأنانية في هذا البلد ذي المظهرالقوي ..
نعلم وتعلمون أن الحضارة تعني التقدم والازدهار، ولكن هذا التقدم والازدهار ليس له أن يحدث في ظل السعيالفردي البحث، إذ اليد الواحدة عاجزة على التصفيق ..
فتعالوا إلى البدء بالضد من ذلك، فنفكر بالفقراء في مقابل كل مرة نفكر بأنفسنا، ولنسعَ إلى نجدة المحتاجين إزاء ما نوفرلأنفسنا المستلزمات، ولننظر إلى من هو أدنى منا، كما نتمنى مواقع من هم أعلى منّا .. وقد قال رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وسلم:
(من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) [١].
فإن كنا عاجزين عن تقديم خدمات إلىالناس، فلنهتم بهم ونتعاطف معهم على الأقل، لأن ذلك ينتهي إلى أن ننصفهم من أنفسنا من جهة، وإلى أن اللَّه سبحانهوتعالى حينما يرانا نهتم بالآخرين، فإنه سينزل علينا رزقه الكريم ويفتح علينا أبواب رحمته إن شاء اللَّه تعالى.
[١] بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٣٣٧.