معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨ - الإيمان والبوعث الحضارية
فيتراشق وإياه بالكلمات والاتهامات، فيتحول إلى نزاع، ثم إلى معركة يستنجد بها كل طرف بقبيلته أو جماعته، فتشتعل الحرب الضارية بين الطرفين، فتحيل الحضارة والمدنية التي شيدها إلىأنقاض ورماد. هذا الإنسان هو الذي يخرب بيته بيده فيتسافل بعد أن خلقه اللَّه سبحانه وتعالى عظيم الشأن والمنزلةإلى مرتبة أدنى من مرتبة ومقام الحيوانات، لأن الحيوانات قد تأكل بعضها بعضاً بحثاً عن رزقها وطعامها الضروريوالحياتي، إلا أنها لا تنهش كياناتها وتجمعاتها، غير أن هذا الإنسان يتسافل في حيوانيته لينهش لحم أخيه ويدمروجوده وحضارته .. (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) .. ما هو العملالصالح؟ فالبعض يفسره بأداء الصلاة أو الصوم أو الحج وباقي الفروع العبادية، إلّا أنني اعتقد أن هذا إيمان وليس عملًاصالحاً، إنما العمل الصالح هو الذي له منفعة ومصلحة للأمة وللمجتمع. فالكاسب والكادّ على عياله الذي يذهب إلىالسوق ويحترف التجارة ويحصل على المال الحلال فإنه يعمل عملًا صالحاً، فكسب المال إذاً كان الهدف منه إشباعالعيال وخدمة المجتمع، فهو عمل صالح ويؤجر المرء عليه لما يقدم خدمة للمجتمع وللآخرين.
وقد روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال:
(من سعادة المرء المسلم الزوجة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب البهي، والولد الصالح) [١].
ومن كلام لأمير المؤمنين الإمام عليعليه السلام بالبصرة، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي- وهو من أصحابه- يعوده، فلما رأى سعة داره، قال:
(ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتُطلع منها الحقوق مطالعها، فإذاأنت قد بلغت بها الآخرة) [٢].
[١] - بحار الانوار، ج ٧٣، ص ١٥٥.
[٢] - نهج البلاغة، خطبة رقم ٢٠٩