معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٢ - الثقافة منطلق المسيرة الحضارية
وأحسنوا التعامل معها، فحينئذ ستكون الحرية السياسية مجدية ونافعة، وستؤتي الحرية الاقتصادية بعد ذاك ثمارها، وتزدهر الأمة، وتمضي قدماً في مسيرة التقدم.
ولذلك نجد القرآن الكريم يؤكد على محور الثقافة الرسالية باعتبارها العنصر الأهم في عملية التقدم؛ فلابد- أولًا- منأن يزكى عقل الإنسان، وينمو ويتفتح، وإلى هذه الحقيقة يشير السياق القرآني في قوله: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُلِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر/ ٢٢).
فالإنسان المؤمن عندما يفتح قلبه، ويجعله منشرحاً للإيمان، فإن اللَّه سبحانه يغدق على قلبه فيضاً من نوره السرمدي، وعندئذ سيدرك صاحب هذا القلب ماله وما عليه في هذه الحياة سواء إزاء نفسه، أو أمام أسرته، ومجتمعه، وأمته.
والإمام السجادعليه السلام يبيّن في رسالته المعروفة ب (رسالة الحقوق) أن علينا في هذه الدنيا حقوقاً، وعلى سبيلالمثال؛ فإن لنفس الإنسان وجسمه ولكل جوارحه حقوقاً لابد من أن يوفيها، وإذا ما خرج هذا الإنسان من إطار ذاتهلاقته حقوق أخرى؛ كحقوق الوالدين، والأولاد، والزوجة، والجار، ثم تتعدى إلى الأصدقاء والأقرباء والمجتمع حتىتشمل الأمة كلها. وإذا ما حافظ الإنسان على هذه الحقوق والواجبات وعمل بها، فإنه سوف لا يحتاج إلى قانونخارجي يؤطر حركته ويوجهها في الحياة، ذلك لأن القانون قد وجد- مسبقاً- في ذاته وضميره؛ أي أن وازعاً داخلياًهو الذي سيحرّكه.
أما الذين قست قلوبهم، ومات الضمير والوجدان فيهم، فإن هؤلاء لا تنفع معهم جميع القوانين، مهما تعدّدت وتفرعتبنودها، مادام ذكر اللَّه جل وعلا لا يدخل إلى أعماقهم ولا يتغلغل إلى قلوبهم الميتة القاسية. ثم يمضي السياق القرآنيالكريم مؤكداً على هذه الحقيقة قائلًا: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشآءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْهَادٍ) (الزمر/ ٢٣).
وعلى هذا الأساس؛ فإننا بحاجة إلى هدى اللَّه، ومجتمعاتنا بحاجة- هي