معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - حضارة الروح تتحدى طغاة المال والقوة
الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِاوْلِي الْقُوَّةِ)، وهي أشبه ما تكون بالصندوق الأسود الذي يحمله الوفد المرافق للرئيس الأميركي ويحرسه أينمايذهب، ولو إلى سرير النوم!!
فنصحه المؤمنون العارفون من قومه، إذ قالوا له: (لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَ آءَاتَاكَ اللَّهُالدَّارَ الاخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الارْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُالْمُفْسِدِينَ).
أي إن الفرح والاستعلاء والاستهتار ينتهي إلى الفساد في الأرض، واللَّه لا يحب المفسدين؛ لأن ذلك لا يمر في طريقوعقيدة اعتبار الثروة مجرد وسيلة إلى إحراز الفوز بالدار الآخرة، كما أنه يشوش الصورة الحقيقية للدنيا التي أوجدهااللَّه سبحانه وتعالى كمحطة في طريق الدار الآخرة، بالإضافة إلى أن مجرد اتخاذ اكتساب الثروة هدفاً ذاتياً يؤديبصاحبه إلى الطغيان، فينسى أصل الإحسان؛ هذا الأصل الإنساني الكفيل بتحقيق التكافؤ الاجتماعي والتضامن بينأفراد الأمة.
ولكن قارون ترجم طغيانه واستعلائه بعبارات لا تنم إلّا عن الجهل وانعدام التصور الحق، فقال لهم ..
(إِنَّمَآ اوتِيتُهُعَلَى عِلْمٍ عِندِي).
أي أنه نفى حقيقة أن الرزق والإمكانات بيد اللَّه يؤتيهما من يشاء ويمنعهما من يشاء لحكمةوإرادة خاصتين به دون سواه. فقارون لم يكلف نفسه مجرد التفكير في محدوديته، وأن علمه وأسلوبه ومجهوده في سبيلجمع الثروة، هو نعمة من اللَّه أيضاً، وأن من دون هذه النعمة الربانية يبقى الإنسان بلا حول ولا قوة.
ثم بدأ يتغافل عن نهاية ومصير كل إنسان، وهو الموت والهلاك، وتناسى كل صفحات التاريخ البشري، وخادع نفسهبالبقاء إلى أبد الآبدين .. وقد وصف القرآن الكريم واقعه المؤسف هذا بالقول الشريف: (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْأَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمجْرِمُونَ).