معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٤ - حضارة الروح تتحدى طغاة المال والقوة
الغربية، فصفحات التأريخ البشري الخاصة بها تشير إلى أن مثل تلك الحضارات لم تخلف سوى الجهل والتفرقة والاستغلال والدمار في الشعوب التي استولت عليها، وأوضح دليلعلى ذلك هو ما تعانيه الشعوب الأفريقية أو الآسيوية التي أصبحت مسرحاً لفصول الاستعمار الغربي منذ قرون، وهذاكله لم يكن له أن يحدث لو لم تكن الحضارة الغربية قائمة على أساس المادة، ومبنية على أصل اعتبار المال والقوة هدفاًيسعى إليه .. ومثل الحضارة الغربية كانت الحضارة البابلية والمصرية وغيرهما.
لقد عدَّ المؤرخون ك (تويمبى) و (ابن خلدون) وغيرهما أكثر من عشرين حضارة عبر التأريخ، كما بينوا عوامل تفوقها وأفولها. وقبلهم كانت آيات القرآن الحكيم وروايات النبي وأهل البيتعليهم السلام قد بينت جميع السننالإلهية الثابتة في نهاية وسقوط الحضارات .. وكانت كلها قد أجمعت الرأي على أن الحضارات القائمة على أساس الطغيان و الاستعلاء وعبادة المال والقوة، محكومة بالفشل مسبقاً؛ إلّا أن الأمر الذي أطال عمر بعضها دون بعض هو مستوىالظلم والكبت الذي كانت تمارسه ضد شعوبها، ولكن الأصل في ذلك هو تحقق فشلها الذريع وانكشاف الحقيقة ولو إلىحين.
ولتوضيح هذه الحقيقة القرآنية والتأريخ أضرب مثلًا بهذا الصدد فأقول: إن حركة التنمية الاقتصادية لأية حضارةكانت، بمثابة حركة القطار الذي تسيره عربة القيادة، وتجر عدداً من المقطورات. فقد تكون قاطرة ذات تكنولوجيامتقدمة، ولكن في الوقت ذاته تعود بالضرر على الركاب، مما يعني أنهم قد لا يصلون إلى النقطة المرجوّة بداعيتسرعهم، وقد تكون القاطرة- عربة القيادة- بمحركات ذات ضجيج مرتفع جداً، إذ لا يصل الركاب إلى هدفهم إلّابعد فقدهم لأعصابهم. وثمة قاطرة متفاوتة، فهي تتصف بالاتزان والتعادل في الحركة والسلامة في نوعية الوقود أوالحمولة، مع احتمال تأخرها في الوصول.
فقاطرة التقدم الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو التأريخي الأفضل