معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٣ - عوامل النهوض الحضاري
أمام هذا المجتمع مستقيمةواضحة يعرفها الجميع، ويتواصون بها.
هذه هي الميزات الثلاث في المجتمع الرساليّ، وهي- كما أتصوّر- ملازمة لكلّ مجتمع حين تقدّمه، ونهوضه؛ فلا تستطيعأيّ حضارة أن تنمو، وتتقدّم إلّا بها، وفي حالة انعدامها (أي انعدام هذه المزايا) فانّ مصير هذه الحضارات سيؤول إلى الدمار والانقراض.
وقبل أن تدمّر هذه الحضارات يبعث إليها الرسل والأنبياء والمصلحون؛ أي عندما تجنح تلك المجتمعات نحو الانحدارليوقفوا هذا التدهور والهبوط سواء نجحوا في هذه المهمّة أم لم ينجحوا فيها. ولذلك فانّ القرآن الكريم يركّز على هذهالمراحل الزمنيّة الهامّة والخطيرة، ويطلب منّا أن نعتبر بها. فالقرآن الكريم عندما يتحدّث عن مجتمع قوم نوح فانّه لايحدّثنا عن مرحلة تقدّم هذا المجتمع، بل عن مرحلة تدهوره وطغيانه، وهكذا الحال بالنسبة إلى قوم لوط، وعاد، وثمود، ومدين ...
حضارة سادت ثمّ بادت
سنتحدّث عن مجتمع مدين الذي يقول عنه القرآن الكريم: (وإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً) (الأعراف/ ٨٥). وكانت الكلمة الأولى التي وجّهها هذا النبيّ إلى قومه أن قال لهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍغَيْرُهُ) (الاعراف/ ٨٥). وهذه الكلمة تعني إزالة القيم الاسطوريّة الجاهليّة المتخلّفة، واستبدالها بقيمة واحدةهي قيمة (عبادة اللَّه)، والاتّصال به وحده. فنحن عندما نعبد اللَّه تعالى فانّنا سوف نعزف عن عبادة القيمالأخرى من مثل الشرف القبليّ، والعنصريّة، والأرض، والدم، والقومية .. من المفترض بنا أن ننبذ هذه الأساطير والأصنام والأسماء والخرافات، لنعبد اللَّه وحده.
ونلاحظ هنا أن شعيباًعليه السلام يذكّر قومه بالميزة الأولى التي تحدّثنا عنها كواحدة من مزايا مجتمع الرسولصلى الله عليه وآله وسلم، وقد كانالأنبياء جميعاً يبدؤون دعوتهم بهذه الكلمة التي هي الأساس لتغيير القيم الجاهليّة. كما كان الأنبياءعليهم السلام يستهدفون أوّلًا وقبل