مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٠ - ٧٤- سورة المدثر الإنسان؛ حاضر ومستقبل، سعي ومصير
يبحث عن النجاة من شرها، ويسعى لتجنب أسباب التورط فيها، وهي أربعة أساسية كما يقر المجرمون أنفسهم: (عدم كونهم من المصلين، وعدم إطعامهم المسكين، وخوضهم مع الخائضين، والتكذيب بالآخرة) وماذا يرتجى لمن يوافيه الأجل، ويلقى ربه على هذا الضلال البعيد والجريمة؟ (الآيات: ٤٠- ٤٧).
ومن يتورط في الذنوب الأربعة الكبيرة التي مر ذكرها فإن مصيره النار لا محالة، لأنه لا عمل صالح عنده ينجيه من العذاب، ولن تدركه رحمة من الله وقد بارزه وحاربه، ولن يشفع له أحد، ولو استشفع له أحد- جدلا- فلن تنفعه شفاعة أبدا، لأن الشفاعة تنفع من تكون مسيرته العامة في الحياة مسيرة سليمة، ثم يرتكب بعض الذنوب والمعاصي .. وليس المجرمون كذلك (الآية: ٤٨).
وفي خاتمة السورة يستنكر القرآن على المجرمين (الكفار ومرضى القلوب) إعراضهم عن تذكرة الله لهم ورحمته المتمثلة في آيات وحيه الهادية، مع أنهم مستقبلون أمرا عظيما ونارا لا تبقي ولا تذر .. ولا خلاص لهم إلا بالإقبال على التذكرة، والعمل على ضوء بصائرها وهداها!! إنهم حقًّا يشبهون- حيث يعرضون عن آيات الله- قطيع حمر انقضَّ عليه ليث قسورة لا يدرون إلى أين يفرون منه، وما الحيلة للخلاص .. والحال أن آيات الله على عكس ذلك جاءت لتأخذ بأيديهم إلى ساحل الأمن والرحمة والسعادة، وأولى بهم أن يستقبلوها كما يستقبل الظمأى والمجدبون غيث السماء .. بَلْ يُريدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ولن يكون ذلك أبدا، بَلْ لا يَخافُونَ اْلآخِرَةَ وهذا في الحقيقة- أعني الكفر بالآخرة وعدم حضورها في وعي الإنسان- أكبر عامل في الانحراف، وعدم الاهتمام بالتذكرة والتأثر بها (الآيات: ٤٩- ٥٣).
ويرد القرآن على أباطيل المدبرين عنه والمستكبرين على الحق، الذين قالوا إِنْ هذا إِلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلّا قَوْلُ الْبَشَرِ ردًّا موضوعيًّا حاسمًا في آيات ثلاث: (٥٤، ٥٥، ٥٦) تبين في الوقت نفسه دور القرآن بأنه التذكرة بالله وبالحق، وأن الإنسان مكلَّف بالاستجابة لهداه، ولكنه غير مجبور على ذلك بل مخيَّر، وإن كان توفيق التذكر والهداية لا يحصل إِلّا أَنْ يَشاءَ اللّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ومعرفة هذه الحقيقة أمر ضروري بالنسبة للإنسان، لأنها تحيي فيه روح التوكل على الله والتضرع إليه، وتبعده عن الغرور