مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٥ - ٣٣- سورة الأحزاب ترسيخ دعائم القيادة الرسالية في الأمة
يضحكون، وكلما أراهم ربنا من آياته طلبوا من موسى (ع) أن يدعو ربه، وعهدوا إليه بالإيمان، فلما كشف عنهم العذاب نكثوا عهدهم، واعتمدوا على قيمة الثروة والسلطة الزائلة.
وأثار فيهم فرعون نخوة العصبية وشهوة المال والقوة، واستخفهم فأطاعوه، فانتقم الله منهم وتركهم آية لمن بعدهم (الآيات: ٤٦- ٥٦).
وكذلك كان موقف الجاهليين العرب من النبي عيسى بن مريم (عليهما السلام)، فحينما ضربه الله مثلًا صالحاً جادل فيه قوم الرسول قائلين: أآلهتنا خير أم هو؟ وكانوا يعرفون الحق، ولكنهم عاندوا، ربما لأنهم اعتمدوا على قيمة الثروة والسلطة، فقدسوا آلهتهم رمز الثروة والسلطة، واستخفوا بابن مريم الذي كان مثال الطهر والزهد، بلى؛ إنه عبد أنعم الله عليه، وجعله مثلًا لبني إسرائيل، ولم يأمرهم بعبادته أبداً.
وبعد أن ينذر ربنا أولئك المعاندين بأنه قادر على أن يهلكهم، ويجعل مكانهم ملائكة في الأرض يعبدونه، يبين بعض جوانب عظمة النبي عيسى (ع) بأنه من أشراط الساعة، وأنه قد جاء بالبينات والحكمة والقول الفصل فيما اختلف فيه بنو إسرائيل، وأمرهم بتوحيد الله ربه وربهم جميعاً، بَيْدَ أنهم اختلفوا فيه (ظلماً وبغياً) فويل للظالمين من عذاب يوم أليم (الآيات: ٥٧- ٦٥).
ويذكرنا الربُّ بأن الأخلاء أعداء بعضهم في يوم القيامة إلا المتقين. وهكذا ينبغي أن نختار من المتقين أصدقاءنا، وقد أشارت آيات سابقة إلى مسألة القرين. ويصف نعيم الله في يوم البعث لعباد الله الذين تتلقاهم الملائكة بالسلام والبشرى، وتدعوهم إلى الجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كل ذلك جزاء لما عملوا (الآيات: ٦٦- ٧٣).
بينما المجرمون خالدون في جهنم، دون أن يخفف عنهم عذابها، وهم آيسون فيها من روح الله بما ظلموا، وحين ينادون كبير ملائكة العذاب (مالك) ليعدمهم الله، يجيبهم بأنهم ثمة ماكثون، ويقول: لقد جئناكم بالحق، وأنتم كنتم تكرهون الحق. وقد عاندوا الحق، فحكم الله عليهم بالعذاب الخالد جزاء عنادهم (الآيات: ٧٤- ٧٩).
وبهذه البصيرة يعالج السياق حالة العناد الذي هو واحد من أبرز العقبات النفسية