مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - ٣٨- سورة ص الشرك أساس الضلالات
مراد السورة بيان زيف السلطات القائمة على أساس القوة والثروة، وسائر القيم المادية الأخرى، وضرورة إقامة حكومة العدل الإلهية القائمة على أساس أمر الله وخلافته، وأن أساس الولايات الباطلة العزة والشقاق، بينما أساس الولاية الربانية الحق.
إن فتنة القوة في الحياة؛ فتنة كبيرة وخطيرة، ومن تخلص من غرورها، فإنه يتغلب على سائر الفتن بصورة أسهل .. ذلك أن الإنسان يقتحم الصعاب ويركب الأهوال والمخاطر من أجل السلطة، فإذا تنازل عنها أو بلغها ولم يسخرها إلا في سبيل الخير، فإنه آنذاك سينتصر على أهوائه وعلى الضغوط المحيطة به.
وفي الوقت الذي حدثتنا هذه السورة عمن صرعتهم هذه الفتنة فراحوا يعتزون بقوتهم ويتحدون ربهم ويعتزون بآلهتهم التي تمثل رموز ومظلات سلطتهم، ويخالفون ولاية الله باسمها، وهم الملأ من الكفار، يضرب لنا هذا الدرس القرآني مثلًا حياً من واقع النبي داود (ع) الذي تجاوز هذه الفتنة رغم امتلاكه القوة الظاهرية.
ونستوحي من إعطاء الله السلطة وولاية الأمر لداود (ع) بعد استقامته على الحق، أنه تعالى لا يعطي ولايته إلى كل سلطان، إنما للذين يمتلكون ناصية الملك ولا تمتلكهم.
وتعالج آيات أخرى من السورة موضوع الصبر الذي اشتهر به النبي أيوب (ع) ولكن في إطار الحديث عن العلاقة السليمة بالسلطة والثروة والعافية، هذه النعم التي ينبغي أن لا تستعبد البشر، فلا يستبد به الغرور إذا رزق منها شيئاً، ولا يقتله اليأس إذا زويت عنه.
ثم تضرب لنا الآيات التي تليها مثلًا من واقع أصحاب النار الذين عصوا الله وحاربوا المؤمنين وطغوا في الأرض.
وفي الآيات الأخيرة من السورة- وكعادة القرآن الكريم- يؤكد السياق على الموضوع الأساسي فيها، وذلك ضمن بيان ما جرى بين رب العالمين والملائكة، ثم بينه وبين إبليس. ومغزاه الكشف عن طبيعة الإنسان والأسباب الحقيقية التي تهبط به وترديه، فإذا به وقد كرّمه الله تعالى على كثير من الخلق ينتهي إلى أسوءِ مصير.