مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٦ - ٥٦- سورة الواقعة آفاق الآخرة في حياة الإنسان
بحقيقة حاضرة أو غائبة إلا والآيات الهادية إليها قائمة وكافية أن تكون حجة بالغة لمن ألقى السمع وأعمل النظر والفكر وهو شهيد. فما هي آيات الواقعة؟.
أولًا: وقبل كل شيء ليس هنالك دليل ولا آية تكذب هذه الحقيقة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ، وهذه من طبيعة الحق أنه لا دليل منطقي على خلافه، والذي يكذِّب به هو الذي يحتاج إلى تبرير موقفه.
ثانياً: إن الإنسان يبرر غالباً ريبه في هذه الواقعة بالشك في إمكانيتها، لأنه ينظر إلى هذه الحقيقة العظمى من خلال قدراته المحدودة فيكفر بها. أما إذا تفكر فيها من خلال قدرة الله التي لا تحد، وسننه الحكيمة التي لا تتبدل، فإنه سيراها (حق اليقين). والإيمان بإرادة الله يأتي من التفكر في آيات قدرته المتجلية في النفس وفي الآفاق، فإن ذلك يهديه إلى عظمة ربه وتنزيهه عن العجز، والآيات (٥٧/ ٧٣) تثير العقل البشري بالحقائق وتجعل الشهود جسرا إلى الغيب.
ثالثاً: والقرآن الكريم هو الآية العظمى التي تهدي إلى كل حقيقة، بشرط أن يكون الإنسان عندما يتدبره ويؤول آياته طاهرا من كل دنس مادي (خبثا وحدثا)، ونفسي (مرضاً ونفاقاً)، وعقلي (ضلالةً وكفراً) وذلك لتجاوز الحجب التي تمنعه من لمس معانيه وتأويلاته العميقة الحقة، فإنه يرى بالفطرة السليمة، والعقل المتقد الحقيقة مكشوفا عنه غطاؤها، وبما أن مشكلة البشر ليست عقلية وحسب، بل هي نفسية أيضا فقد يسَّر الله هذه الحقيقة العظمى بالشواهد العقلية والوجدانية والواقعية، بأسلوب أدبي بليغ، ومنهج نفسي مؤثر تضمن الترغيب والترهيب، بما يقود كله إلى التسليم لها، تسليما واعيا وعميقا، يحمل صاحبه على المعادلة بين الحاضر والمستقبل، والسعي بجد وفاعلية للفوز في الآخرة، فإذا به وقد وقعت الواقعة مستعد للقاء ربه والفوز بالجنة مع المؤمنين السابقين، أو لا أقل مع أصحاب اليمين.
ولأن الموت هو الواقعة الصغرى لكل إنسان فرد، والحق الذي يحدد به مصيره، يتعرض له السياق في نهاية السورة بوصفه آية على الجزاء، ومعبراً إلى المصير والعلم اليقين بذلك الغيب الذي يُكذِّب به الضالون المكذبون.