مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٧ - ٢٦- سورة الشعراء حقيقة الصراع بين رسالات الله وثقافة البشر
وبالرغم من أن الرسل (عليهم السلام) قد تحملوا الصعوبات في سبيل تبليغ رسالاتهم، إلا أنهم استطاعوا أن يغيروا أفكار البشرية، حتى أن الأفكار الصحيحة التي نجدها في الأقوام الجاهلية لابد أن يكون الدين الإلهي مصدرها، لأن الرسل كانوا بحق المحرك الأساسي للتاريخ البشري، وإلا فإن البشرية كانت تسير بشكل طبيعي نحو النهاية.
ومن هنا؛ كان لزاماً علينا أن نقف ويقف معنا التاريخ كله إجلالًا لذلك الفكر الذي يصيغ أجيالًا مؤمنة، وأن نقف إجلالًا أمام صبر الرسل وتضحياتهم.
وفي سياق تبيان الصراع بين رسالات الله وثقافة الشعراء، يضرب لنا الرب مثلًا من قصة النبي إبراهيم (ع) وقومه، وكيف أوحى الله إليه بمقاومة الفساد العريض الذي تردّوا فيه، فعبدوا الأصنام؛ وحين سألهم إبراهيم (ع) عن ذلك، لم يحروا جواباً، وأصروا على التمسك بدين آبائهم الجهلة، فأعلن البراءة منهم ..
ويؤكد النص القرآني الخاص بهذه السورة الشريفة أن محتوى رسالات الله واحد، وإنما اختلف ظاهره بحسب اختلاف الظروف، لأن كل رسالة استهدفت إصلاح الفساد المستشري في المجتمع الذي أنزلت فيه، وكذب كل قوم رسولهم، فانتصر الله للرسول وللمؤمنين، وأهلك الكافرين بعذاب شديد.
أما الدرس المهم الآخر الذي تعكسه آيات السورة؛ فهو أنها تحدد معالم الرسالة الإلهية وخصائصها المميزة، وتحصر في خمس نقاط، هي
١- أنها لا تختص بقوم أو أرض أو زمن.
٢- وأنها رسالة حق تعكس حقائق الحياة المادية والمعنوية، وتمتد من الدنيا إلى الآخرة.
٣- وأنها تهدف الإصلاح الجذري الذي ينتهي إلى اقتلاع الفساد والانحراف كلية.
٤- وأنها تخاطب الناس بلغتهم، بالضد للغة الشعراء الغامضة المعقدة. فالرسالة لغة الواقع لكشف الحقائق، كما هي للناس.
٥- وأن خطها ممتد عبر العصور من آدم (ع) إلى النبي محمد (ص) ويشهد بها ولها العلماء المنصفون.