مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٦ - ٢٦- سورة الشعراء حقيقة الصراع بين رسالات الله وثقافة البشر
برسالة الله، ويجادل فرعون بما يملك من قوة.
ويبدو أن لكل رسالة محتوى اجتماعي، هدفه إصلاح نوع الفساد المنتشر في المجتمع، فقد حارب النبي موسى (ع) العنصرية والاستكبار، والنبي إبراهيم (ع) الوثنية والرجعية، والنبي نوح (ع) الطبقية والعناد، والنبي هود (ع) العبثية والتجبر، والنبي صالح (ع) الإسراف والفساد، والنبي لوط (ع) الشذوذ والإباحية، والنبي شعيب (ع) الغش والتطفيف. ولعل هذه المفاسد متدرجة في خطورتها حسب هذا الترتيب الذي نجده في سورة الشعراء.
ويجري الحوار بين النبي وقومه، ويعاندونه، ويهددونه، وفي لحظة الحسم ينصر الله النبي والمؤمنين، ويأخذ الكافرين بعذاب شديد، ولعل العذاب يتناسب ونوع الفساد.
ويبدأ النبي بالتذكرة بالله، والأمر بتقواه وطاعته، وينذرهم عذاب ربهم.
ويؤكد الأنبياء (عليهم السلام) على أنهم لا يطالبونهم بأجر، وإنما أجرهم على الله، وبالتالي لا يدعون للناس مجالًا للشك في صدق رسالاتهم. و بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك شواهد على صدق رسالات الله، فهي تدعو إلى الله، وتتعالى على حواجز الدم والأرض والزمن، وهي تتحدى بقوة الله كل القوى مما يستحيل على البشر، وتحارب الفساد الأكبر في المجتمع.
ويد الغيب تمتد لنصرتهم في الوقت المناسب بإهلاك أعدائهم، هذا بالإضافة إلى قوة الحجة، وسلامة السلوك، والمعاجز الظاهرة؛ كالعصى، والناقة، وخمود النيران، وانفلاق البحر، والطوفان.
إن الصراع الدائر بين رسالة الله وثقافة الأرض، صراع ممتد عبر الزمن، لأن رسالات الله تهدف تغيير كل القيم الجاهلية، وإقامة كيان ثقافي جديد.
فحينما يدعو الأنبياء (عليهم السلام) شعوبهم إلى التسليم والإيمان بالله، فإنهم يدعونهم في ذات الوقت إلى التسليم لكل القيم الإلهية التي تحمل التحضر والتمدن لأولئك الناس الذين سلموا لخرافات الماضي، وفساد الواقع.