مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٠ - ٣٧- سورة الصافات آفاق العلاقة بين الخالق والخلق
إنما أعطاهم الرب هذه المنزلة الرفيعة لما وجده فيهم من عمق الإيمان، وصدق العمل، وشجاعة الإقدام، والإحسان إلى الناس. ولعل الحديث عنهم (عليهم السلام) في هذه السورة المباركة يتصل بهذا الجانب من حياتهم، نفياً للبدع الجاهلية.
من هنا؛ نستطيع القول بأن الخط العام لسورة الصافات هو بيان العلاقة السليمة بين الله عز وجل وسائر خلقه، التي تتجسد من جهته في الإنشاء، والخلق، والإبداع، والرزق، و ... أما ما دون هذه العلاقة، فإن هناك معراجاً واحداً يتقرب من خلاله الخلق لربهم، وهو الإيمان والعمل الصالح.
وحين نتدبر في جمل بصائر السورة تتجلى لنا المسؤولية بأظهر صورها، والتي تصعقنا عند قول الرب وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
فالشرك بالله من خلال الاعتقاد بربوبية الملائكة أو الجن أو الآلهة المزيفة الأخرى، له مبرر نفسي، وهو محاولة التملص من المسؤولية.
ويوم القيامة، هو يوم ستتجلى فيه المسؤولية بشكل واضح وأكيد، حيث الصيحة العظيمة؛ فإذا بالظالمين قيام ينظرون عذاب الله، وهناك تتجلى المسؤولية التي طالما تهربوا منها في الدنيا، فتسقط تبريراتهم التي زعموا بأنهم قادرون على جعلها وسيلة للتخلص من جزاء أعمالهم.
ويبقى أن من أبرز أدّلة المسؤولية في الدنيا، وجود الجزاء. فلو كنا في مجتمع يحكمه الظلم، ثم سكتنا عنه، فشملنا الذل والبلاء، فإن ذلك دليل مسؤوليتنا عن الوضع، حتى لو بررنا ذلك بثقافة الجبر أو فلسفة الانتظار.
ومحور المسؤولية هو الذي يوصل محاور السورة ببعضها، وأبرزها ثلاثة محاور
الأول: نفي الأنداد الذين يتخذهم الجاهلون آلهة لعلهم ينصرون. إن غايتهم من عبادة الآلهة التنصل من جزاء أفعالهم، ولكن هيهات! فالملائكة صافون لربهم صفاً، والشياطين محجوبون عن السماء، وتترصدهم الشهب، والمستكبرون محضرون لحساب عسير.