مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٠ - ٢٩- سورة العنكبوت صرح الكفر وبيت العنكبوت
ما أكرم هذه الآية، وما أعظم البصائر التي فيها، وما أحوجنا إليها ونحن نصارع المستكبرين والمترفين؟.
إنها تبين واقع هؤلاء المشركين، وأنه أوهن البيوت، وأن عاصفة الرفض تقتلعها بإذن الله.
لماذا هم كذلك؟ لأن بناء الخلق قائم على أساس الحق، أما بناؤهم فهو متشبث بنسج العنكبوت الباطل، ومن خلال هذه البصيرة يعرفنا الذكر بحقيقة الدنيا، والتي لو عرفناها هانت علينا مصيباتها، واحتقرنا زينتها، واتقينا مكرها، وانقشعت عن بصائرنا غشاوة غرورها. (الآيات: ٤٢- ٤٤).
فما هو البرنامج الذي يجعلنا نعرف حقيقة الدنيا، ونتحدى الفتن التي تتوالى علينا؟ إنه يتلخص في تلاوة الكتاب، وإقامة الصلاة، وذكر الله. (الآية: ٤٥).
ويتعرض السياق لبيان الموقف من أهل الكتاب، ولعله يهدف تكميل الصورة، حيث أن الموقف من المفسدين أضحى واضحاً من خلال قصص الرسل، وبقي الموقف من أتباع الرسل، ولأن تكريم الرسل يقتضي تكريم أتباعهم، ولأن جوالسورة هو جو الجهاد، والجهاد مع الظلم والكفر بحاجة إلى وحدة الصف، فإنه كان مناسباً الحديث عن أهل الكتاب، وأنه ينبغي جدالهم بالتي هي أحسن، وبيان أسس الوحدة التي تجمعنا وإياهم، وإنما القسوة تكون مع الظالمين منهم (كما تكون مع الظالمين منا)، (الآية: ٤٦).
ويبين السياق مصداق الجدال بالتي هي أحسن؛ أي شواهد صدق الرسالة التي تقنع المنصفين من أهل الكتاب، أما الكافرون فإنهم يجحدونها (من واقع كفرهم). فهذا النبي لم يكتب ولم يقرأ من قبل، وقد جاء بآيات تتبين في صدور العلماء فيصدقونها، بيد أن الظالمين يجحدون بها (من واقع ظلمهم) وهم يطالبون بالمزيد من الآيات، ولا يعلمون أن أمر الآيات بيد الله لا الرسول. وهذا الكتاب العظيم أليس فيه آيات كافية، والله أعظم شهيد على صدق رسالاته بما يهدي القلوب الصادقة إليها وبنصره وتأييده لها. (الآيات: ٤٧- ٥٢).
ويجادل الذكر الذين يستعجلون بالعذاب، ويقول: إنه سوف يؤخر إلى أجل