مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٧ - ٣٩- سورة الزمر الإنسان؛ العمل والانتماء
من هنا؛ نجد القرآن العظيم يحدثنا في قضية التوحيد عن ضرورة التخلص من الشرك، وفي كل مرة يحدثنا عن بعض ألوان الشرك، ثم إن الناس في خضوعهم للمادة مختلفون، فمنهم من يخضع بكل صراحة، ومنهم من يستخدم سلاح التبرير. وهكذا كان نسف قواعد التبرير من أبرز الأهداف القرآنية. وبما أن التبريرات تختلف من قوم لآخرين، بل حتى بين الأفراد أنفسهم الذين ينتمون إلى مذهب شركي واحد، لذا؛ يعالج القرآن الحكيم كل تبرير بصفة مستقلةومختلفة.
ويستمر السياق القرآني لهذه السورة في بيان نموذجين من الناس، ويوازن بينهما لنعرف أنهما ليسا سواءً في الجزاء؛ ولكي يزيدنا وعيًّا بهما وازن بين النور والظلام، والصلاح والفساد، ووضح الفوارق بيَّنهما. كما بينت السورة خصائص القرآن، وكيف تتلقاه النفوس الطيبة، وكيف يضرب الله فيه من كل مثل للناس لعلهم يتذكرون.
وحينما يشرح الله صفات القانتين- وهم أئمة الهدى- وميَّزهم عن أصحاب النار من أئمة الكفر، عاد إلى بيان أشياعهم؛ فهناك من يجتنب الطاغوت، ويستمع القول فيتبع أحسنه، وهناك من حقّت عليه كلمة العذاب.
ثم تذكرنا الآيات بالعقل الذي هو لب الإنسان، الذي يهدي الله به قوماً، فيجعلهم من أصحاب الجنة. ويوقظ العقل بآيات الله في الخليقة، حيث يذكرنا بالدورة النباتية التي تبدأ بنزول الغيث واختزان الماء في الينابيع وإخراج الزروع المختلفة، وتنتهي بالحطام.
وتعالج السورة موضوعاً هاماً آخر، وهو شرح الصدر إلى الإسلام، والتسليم لله ولسننه وشرائعه في الحياة، ليكون الإنسان على نور وبينة من ربه.
وتهبط آيات القرآن كالصاعقة على القلب الغافل، فتفجر فيه طاقات الفهم، وتثير فيه دفائن العقل، فتهديه إلى حقيقةالموت الذي يقف لكل حيِّ متربصاً، ولكن الموت أهون المراحل التي تنتظره، فوراءه ما هو أعظم، كالاختصام والحساب والكتاب وربما العذاب الأبدي الكبير.
وفي مقطع من مقاطع هذه السورة، يذكِّرنا ربنا برحمته الواسعة، وإلى أي مدىً يمكننا الاستفادة منها. أو ليس الله أنعم علينا برزقه الواسع، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة؟