مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٣ - ١٢- سورة يوسف الحاكمية للَّه
إن هذه السورة المباركة مليئة بالعبر التاريخية (التي نقرؤها في تفاصيل القصة التي تتضمنها الآيات: من ٤ إلى ١٠٢) التي تكشف اللثام عن خبيئة النفس البشرية بما تمتلك من عقل وإرادة وعلم تجلت عند يوسف (ع)، أو من حسد وكبر وحيلة تجلت في إخوته، ومن شهوة عارمة وتسلّط وظلم وبطر تجلّت في إمرأة العزيز وزوجها، وإن الله عليم بكل ذلك، وإنه هو الذي يصرّف الأمور لصالح المؤمنين أخيراً، وهو الذي ينقذهم من الموبقات بعد أن أخلصوا أنفسهم لله، فاستخلصهم لنفسه.
إن النبي يوسف (ع) كان صدِّيقاً أيقن قلبه أن جماله من الله، وهو الذي أعطاه القوة ومكَّنه في الأرض، وأن من كفر بأنعم الله لايفلح، وبسبب إيمانه الصادق بهذه الحقائق، فقد أدركه في ساعة المحنة إيمانه، وبلورت المعاناة شخصيته التي عجنت بروح الإيمان والتقوى، فظهر له برهان ربه وحجته البالغة في لحظة الصراع الشديدة مع طبيعته ومجتمعه المتمثل في قوة ربة بيته أو محيط السجن أو إغراء الملك أو تعقيدات الإدارة الاقتصادية.
وهكذا المؤمنون يتذكرون ربهم كلما تعرضوا لتجربة صعبة، فيتركون المعصية ويتحدون المصاعب، بينما يغط غيرهم في غفلة وميوعة.
وتنتهي قصة النبي يوسف (ع)، وتبقى عبرتها المتمثلة في طبيعة البشر المعاندة للحق، فأكثرهم- رغم حرص الرسول وأصحاب الحق- ليسوا بمؤمنين، ويحسبون الدين خسارة، بينما هو ذكر، وتوجيه للعاملين إلى الحق الذي غفلوا عنه (الآيات: ١٠٣- ١٠٤).
وكم هي الآيات المنتشرة في السماوات والأرض يمرون عليها دون أن ينتفعوا بها، بل هم معرضون عنها. إن إيمان أكثرهم مخلوط بالشرك، وبالتالي فهو ليس بإيمان. ولا يُدرى هل هم قد أخذوا صك الأمان من عذاب الله الذي يشملهم إذا جاء، ومن الساعةالتي تأتيهم فجأة في الوقت الذي هم لا يشعرون (الآيات: ١٠٥- ١٠٧).
ولكن الرسول يدعوهم إلى سبيل واضحة هي الدعوة إلى الله على بصيرة ورؤية واضحة له ولمن يتبعه، وهي بصيرة توحيد الله وتنزيهه عن أي نوع من أنواع الشرك (الآية: ١٠٨).