مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٦ - ٤٩- سورة الحجرات أخلاقيات المجتمع المؤمن
ومجرد خسارة لهم للمكاسب التي يمكنهم الحصول عليها، كما لا يجوز أن تَسْخَر نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهن.
وحتى إذا ألقى الشيطان في أنفسنا هذه النظرة الشاذة، فلا يجوز أن نفصح عنها، وأن نعيب بعضنا أو أن نتبادل الألقاب البذيئة. أوَ لسنا مسلِمين قد طهَّر الله حياتنا من كل قذارة، فلماذا نسمي بعضنا بأسماء الفسق وقد أكرمنا الرب بأسماء إسلامية رفيعة المستوى؟ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان (الآية: ١١).
ونهدم علاقاتنا ببعضنا إذا استرسلنا مع الأوهام والشكوك والظنون التي تثيرها الأحقاد أو الحالات النفسية أو الإشاعات المغرضة. وهكذا يأمر الإسلام باجتناب كثير من الظن، ويؤكد أن بعض الظن إثم، ولعله الذي نتحقق منه بالتجسس، أو نجعله موقفاً لحياتنا ولو ظننا سوءاً فلا يحبذ التحقق منه. وهكذا ينهانا الدين ويقول وَ لا تَجَسَّسُوا وإذا عرفنا من أخينا عيباً مستوراً فلا يجوز أن نشيعه عليه من وراء ظهره بالغيبة، لأنه بمثابة أكل لحم أخينا ميتاً. أوَلَيس ذلك نيلًا من كرامته؟ وكرامته أعظم أم بدنه (الآية: ١٢)؟
٥- ثم يرسي السياق قاعدة التوحيد التي ترفض أي نوع من التمييز المادي بين الإنسان والإنسان، ويؤكد ربنا أن أصل البشرية واحد؛ آدم وحواء، فلا تفاخر في الأنساب، وأن الحكمة من جعلهم شعوباً وقبائل هو التعارف وليس التدابر والتسامي، فإذا عرف بعضهم بعضاً ضبطت المسؤوليات والحقوق وتهيأت فرصة العدالة. بلى؛ إن هناك تمايزا واحداً هو التقوى، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم. ومن معاني التقوى سلامة الفكر واستقامة السلوك، وبذلك يكون التنافس على ما يقدم البشرية نحو أهدافها النبيلة (الآية: ١٣).
٦- وفي الآيات الأخيرة يفسِّر السياق التقوى ببيان أصلها المتمثل في الإيمان، ربما لكي لا يدعيها الطامعون والانتهازيون فيقول: قالت الأعراب آمنا ..
وكان طائفة التجأوا إلى المدينة طمعاً في خيراتها بعد أن أجدبت أراضيهم، فنفى عنهم القرآن إيمانهم، ولكن لم ينف أنهم مسلمون، كما لم ينف أجرهم عند الله، إن هم أطاعوه وأطاعوا الرسول. أوليس الله غفوراً رحيماً؟ (الآية: ١٤).