مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - ٧٤- سورة المدثر الإنسان؛ حاضر ومستقبل، سعي ومصير
الرهيبة حيث إنها لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر .. ومنظر آخر مخيف منها يمثله ملائكة غلاظ شداد، النار نفسها فرقة منهم.
إنهم تسعة عشر .. هكذا يقول الله .. فأما المؤمنون فإنهم تقشعر جلودهم ثم تلين، وهكذا يزداد خوفهم وتقواهم لمجرد سماعهم قول رب العزة، لأن المهم عندهم حقيقة الأمر لا تفاصيله حتى يختلفون في ألوان أولئك النفر الموكلون بسقر من الملائكة، ولا في أحجامهم وأوزانهم وعددهم .. كما اختلف الكفار والذين في قلوبهم مرض، وفتنوا أنفسهم قائلين ما ذا أَرادَ اللّهُ بِهذا مَثَلًا؟! فضلوا عن الهدف والحكمة ألا وهي التذكرة (الآيات: ٢٦- ٣١).
كَلّا وَ الْقَمَرِ (٣٢) وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ هكذا يقسم ربنا أقساما غليظة عظيمة مترادفة، ويؤكد أن القضية كبيرة ومشتملة على موعظة وإنذار عظيمين للبشر لو كانوا يعقلون .. بل إنها ركيزة أساسية وملحة للإنسان في مسيرته ومصيره، وذلك أن تقدمه (فردا وأمة) وكذلك تأخره رهين موقفه من حقائق هذه الذكرى الإلهية للبشر (الآيات: ٣٣- ٣٧).
وفي سياق الحديث عن الآخرة وعذاب سقر ينعطف بنا القرآن إلى آية مهمة في سورة، بل في المنهجية الإسلامية بصورة عامة، وذلك حينما يربط بين مستقبل الإنسان وحاضره وبين سعيه ومصيره مؤكدا أنه المسؤول عن نفسه، فهو الذي بيده حبسها في العذاب كما بيده فك رهانها منه، والدخول بها إلى جنات الخلد والنعيم. ويضع الله الناس فردا فردا أمام حقيقة عظيمة ومهمة يجب أن يضعوها نصب أعينهم، ويتحركوا في الحياة على إيحاءاتها ومستلزماتها .. ألا وهي أن الأنفس كلها رهينة .. شهواتها وضلالها وقراراتها المنحرفة الخاطئة، إلا أن يعتصم البشر بحبل الإيمان ويتبع منهجه فيخلصها الله من سجنها الخطير، كما صنع ويصنع بأصحاب اليمين (الآيات: ٣٨- ٣٩).
ومن خلال حوار قصصي يدور بين أصحاب الجنة والمجرمين- ينقله القرآن- تبصرنا الآيات الربانية بأهم ركائز الجريمة التي تؤدي إلى سقر والتي حذرنا ربنا منها، وبذلك يجيب القرآن عن سؤال يفرض نفسه على كل من يعرف حقيقة سقر، حيث