مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٣ - ٣٥- سورة فاطر معرفة الله؛ ينبوع كل خير
البشر والدواب والأنعام، ووعي العلماء لإشارات هذا الاختلاف، وأنهم المصطفون الذين أورثهم الله الكتاب على اختلاف مستوياتهم، وجزاؤهم الحسنى عند ربهم، ولعل هذا المحور يتصل بالمحور الأول في بيان نموذج حي عمن اتبع رضوان ربه فهداه الله إلى السبيل القويم للعزة والغنا والجزاء الحسن.
ألا ترى إلى الغيث حين ينزل من السماء يخرج الله به ثمرات مختلفا ألوانها؟ إن في ذلك لآية على التدبير وحسن التقديرودقة النظم، وأن الله مهيمن على الخليقة.
وإذا نظرت إلى الجبال رأيت فيها جدداً بيضاً وحمراً وغرابيب سود، وهي تشهد بطبقات الصخور في الأرض ذات الطبيعة المختلفة، و تشهد أيضاً على السيطرة التامة.
وهكذا الناس والدواب والأنعام كل منها مختلف ألوانه، واختلاف اللون مع وحدة الخصائص يشهد على حسن التدبير، كما يشهد على أن الخليقة تختلف. وهكذا الناس ليسوا سواء في درجاتهم، فليس سواء عالم وجهول، إنما يخشى الله من عباده العلماء، و إن الذين يتاجرون مع الله بتلاوة الكتاب، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيله سراً وعلانية، فان تجارتهم لن تبور، وأن الله يزيدهم من فضله، وهو غفور وشكور (الآيات: ٢٧- ٣٠).
والكتاب الذي أنزل على الرسول (ص) حق ويصدق الذي بين يديه، وقد أورثه الله الذين اصطفاهم من عباده (وهم ورثة الأنبياء من علماء أهل بيت الرسول (ص) فمنهم ظالم لنفسه (إذ لم يتحمل علم الكتاب كماينبغي، بل خلط عملًا صالحاً وآخر سيئاً)، ومنهم مقتصد (قد حمل الكتاب بقدر مناسب، وهو العالم الرباني الذي يصوم نهاره ويقوم ليله)، ومنهم سابق بالخيرات (وهو الإمام الذي بلغ حق اليقين) (الآيات: ٣١- ٣٢).
وجزاؤهم جميعاً جنات عدن يدخلونها يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤاً، وهم يحمدون الله على ما أذهب عنهم الحزن، بينما الكفار يخلدون في العذاب الشديد، ولا ينفعهم الصراخ، ويقال لهم: ألم نعمركم ما يكفيكم للتذكرة، وأرسلناإليكم النذير؟ (الآيات: ٣٣- ٣٧).
ويعود السياق لبيان أسماء الله الحسنى، مما يوجب علينا تقواه والحذر من عقابه.