محاضرات في الإعتقادات - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٥٣٩
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة، فلمّا كان يوم الجمعة عجّلنا الرواح حين زاغت الشمس، حتّى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمسّ ركبتي ركبته، فلم أنشب أنْ خرج عمر بن الخطّاب، فلمّا رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولنّ العشيّة مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر عَلَيّ ـ سعيد بن زيد ـ وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله؟ فجلس عمر على المنبر، فلمّا سكت المؤذّنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال:
أمّا بعد، فإنّي قائل لكم مقالة، قد قدّر لي أن أقولها، لا أدري لعلّها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أُحلّ لأحد أنْ يكذب عَلَيّ، إنّ الله بعث محمّداً (صلى الله عليه وسلم) بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل آية الرّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ثمّ إنّا كنّا نقرأ في ما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم [ هذا كان يقرؤه في كتاب الله عمر بن الخطّاب، وهذا ليس الآن في القرآن المجيد، فيكون دليلاً من أدلّة تحريف القرآن ونقصانه، إلاّ أنْ يحمل على بعض المحامل، وعليكم أن تراجعوا كتاب التحقيق في نفي التحريف ] ثمّ يقول عمر بن الخطّاب: ثمّ إنّ رسول الله قال: لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا عبد الله ورسوله.
ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك ولكنّ الله وقى شرّها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. من بايع رجلاً [ اسمعوا هذه الكلمة ] من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أنْ يقتلا.
وإنّه قد كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه (صلى الله عليه وسلم) أنّ الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في