نهج البلاغة - الدشتي، محمد - الصفحة ٣
٣ . الطرق إلى معرفة اللّه
الاّول - خلق العالم
أَنْشَأَ الْخَلْقَ إنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّة أَجَالَهَا، وَلاَ تَجْرِبَة اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَة أَحْدَثَهَا، وَلاَ هَمَامَةِ نَفْس اضْطَرَبَ فِيهَا. أَحَالَ الاَْشْيَاءَ لاَِوْقَاتِهَا، وَلاََمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرائِزَهَا، وَ ألْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا، عَارِفاً بِقَرائِنِهَا وَأَحْنَائِهَا (أجنائها). ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ ـ فَتْقَ الاَْجْواءِ، وَشَقَّ الاَْرْجَاءِ وَسَكَائِكَ الْهَوَاءِ، فَأَجْرَى (اجاز) فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ، مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ. حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَقَرَنَهَا إلَى حَدِّهِ. الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيقٌ، وَالْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ. ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْرَاهاَ،وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا، فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ. تَرُدُّ أَوَّلَهُ إلَى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ (ساكنه) إلَى مَائِرِهِ، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بالزَّبَدِ رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ فِي هَواء مُنْفَتِق، وَجَوٍّ مُنْفَهِق، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَاوَات.
جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْرِ عَمَد يَدْعَمُهَا، وَلاَ دِسَار يَنْظِمُهَا. ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِيراً: فِي فَلَك دَائِر، وَسَقْف سَائِر، وَرَقِيم مَائِر.
الثاني ـ عجائب خلقة الملائكة
ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلاَ، فَمَلاََهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلائِكَتِهِ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ، وَ رُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لاَ يَتَزايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ الْعُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الأَبْدَانِ، وَلاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ. وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وَأَلْسِنَةٌ إلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ (متردّدون) بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ. وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَ السَّدَنَةُ (السندة) لاَِبْوابِ جِنَانِهِ. وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الاَْرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ، وَ الْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ، وَالْخَارِجَةُ مِنَ الاَْقْطَارِ أَرْكانُهُمْ، وَالْمُنَاسِبَةُ