نهج البلاغة - الدشتي، محمد - الصفحة ١٧٥
١٨٢ ـ ومن خطبة له (عليه السلام)
روي عن نوف البكالي قال: خطبنا بهذه الخطبة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بالكوفة وهو قائم على حجارة، نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مِدْرَعَةٌ من صُوف وحمائلُ سيفه لِيفٌ، و في رجليه نعلان من لِيف، وكأنّ جبينه ثَفِنَةُ بعير. فقال(عليه السلام):
١ . الثّناء على اللّه تعالى عقائدية ، علمية ، اخلاقية ، سياسية
الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الاَْمْرِ. نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ، وَنَيِّرِ بُرْهَانِهِ، وَنَوَامِي فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً، وَلِشُكْرِهِ أَدَاءً، وَإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً، وَلِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً. وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاج لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّل لِنَفْعِهِ، وَاثِق بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِف لَهُ بِالطَّوْلِ، مُذْعِن لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ. وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وَأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً، وَخَنَعَ (خضع) لَهُ مُذْعِناً، وَأَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً، وَعَظَّمَهُ مُمَجِّداً، وَلاَذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً.
٢ . طُرُق معرفة اللّه
لَمْ يُولَدْ سُبْحانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً. وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَلاَ زَمَانٌ، وَلَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَلاَ نُقْصَانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ، وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ. فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَات بِلاَ عَمَد، قَائِمَات بِلاَ سَنَد. دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَات مُذْعِنَات، غَيْرَ مُتَلَكِّئَات وَلاَ مُبْطِئَات; وَلَوْلاَ إِقْرَارُهُنَّ لَهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ، وَلاَ مَسْكَناً لِمَلاَئكتِهِ، وَلاَ مَصْعَدَاً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ. جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاَماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الاَْقْطَارِ. لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَلاَ اسْتَطَاعَتْ جَلاَبِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلاَْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ. فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَق دَاج، وَلاَ لَيْل سَاج، فِي بِقَاعِ الاَْرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ،